top of page

المعارضة الإريترية بين فشل التجربة وأمل التغيير

  • tvawna1
  • Oct 31, 2025
  • 3 min read

بقلم : عثمان عليو 31/10/2025

منذ أكثر من ثلاثة عقود يعيش الحراك الإريتري المعارض حالة من الدوران في حلقة مفرغة، يعيد فيها إنتاج أخطائه القديمة دون أن يتمكن من تجاوزها أو تحويلها إلى دروس يستفيد منها , فبدل أن تتحول التجارب إلى رصيد وطني يُبنى عليه، ظلت الانقسامات والتجاذبات تضعف العمل الوطني وتفرغ الجهود من مضمونها. فكلما نشأ تنظيم جديد أو تحالف وطني، ما يلبث أن يتفكك بسبب خلافات داخلية أو صراعات شخصية لا تمتّ بصلة للمبادئ أو للمصلحة العامة. ومع مرور الزمن، أصبحت المعارضة الإريترية تضم عشرات التنظيمات التي تتشابه في الأهداف وتتنافس في الفشل، حتى فقدت ثقة الشارع الذي كان يعوّل عليها في تحقيق التغيير.

إن أحد أبرز أسباب هذا الإخفاق المزمن هو غياب ثقافة العمل الجماعي وضعف الإيمان بالمؤسسية. فبدل أن نتعلم كيف نختلف داخل الإطار الواحد، نلجأ إلى تأسيس كيان جديد مع كل خلاف. هذه الذهنية جعلتنا نعيش في دوامة من البدايات المتكررة دون أن نصل إلى مرحلة النضج التنظيمي والسياسي. الجميع يرفع شعار الديمقراطية، لكننا في الواقع لم نمارسها بعد. فالمؤتمرات التي تعقدها التنظيمات عادة ما تنتهي بانقسام جديد، لأننا لم نتعلم بعد أن الديمقراطية ليست شعارات تُرفع بل سلوك يُمارس، وأن الخلاف في الرأي لا يعني العداء.

المشكلة الأكبر أن بعض الخلافات السياسية سرعان ما تتحول إلى انقسامات قبلية أو جهوية، فينحاز أبناء القبيلة أو المنطقة إلى أحد الأطراف حتى وإن كان مخطئًا، فتضيع القضية بين الولاءات الضيقة والمصالح الشخصية. بهذه العقلية ضاعت البوصلة الوطنية وتحولت المعارضة من مشروع جامع إلى مجموعات صغيرة متناحرة تحركها الأهواء أكثر مما يحركها الإيمان بوطن واحد.

من هنا تبرز الحاجة الملحّة إلى مراجعة شجاعة وصادقة. فالتغيير الحقيقي يبدأ بالتخلي عن الإقصاء والاعتراف بأن الوطن لا يمكن أن يبنى بفكر واحد أو تيار واحد، بل يحتاج إلى كل أبنائه بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم. علينا أن نستوعب الجميع: السياسيين بخبراتهم، الشباب بحماسهم، النساء بدورهن الحيوي، ومنظمات المجتمع المدني كمصدرًا لتغذية الوعي الوطني. فالجميع مكمل للآخر، ولا أحد يملك الحقيقة المطلقة. التنوع في الشعب الإريتري ليس عبئًا بل ثروة وطنية إذا أُحسن استثمارها، وهو الورقة الأقوى التي يمكن أن يراهن عليها الحراك الشعبي لإسقاط النظام وبناء دولة المواطنة والعدالة.

اليوم، المطلوب من المعارضة أن تعيد النظر في تجربتها بجدية وأن تعقد ورش عمل وطنية تجمع مختلف القوى والتيارات والشخصيات المستقلة والمثقفين، لدراسة أسباب الإخفاق ووضع رؤية استراتيجية جديدة تتجاوز الماضي وتبني على المشترك. هذه الرؤية يجب أن تركز على توحيد الخطاب السياسي والإعلامي، وبناء علاقات دولية متوازنة، وتأهيل كوادر شابة مؤهلة لتجديد الدماء في العمل الوطني، ووضع ميثاق وطني يقوم على مبادئ العدالة والمواطنة والمساواة.

ولا يمكن لأي حراك أن ينجح من دون قاعدة شعبية واعية، والرهان اليوم يجب أن يكون على وعي الشعب الإريتري الذي سئم الانقسامات ويريد بديلاً موحدًا ومسؤولًا. هذا الشعب الذي صمد أمام القمع والتهميش يستحق قيادة موحدة تمتلك رؤية وطنية لا شخصية، وتعمل من أجل الوطن لا من أجل الكراسي أو النفوذ. ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة القادمة تتطلب مقاربة عملية وواقعية، تضع المصلحة الوطنية في صدارة الاهتمام، وتعمل على توظيف الطاقات والخبرات المتاحة لتحقيق أهداف جامعة تخدم تطلعات الشعب الإريتري في التنمية والعدالة والاستقرار.

إن نجاح الحراك الإريترى الجديد يعتمد على مدى قدرته في بناء توافق وطني شامل يستند إلى فهم مشترك للتحديات الراهنة وأولويات المرحلة المقبلة. فالمطلوب في هذه المرحلة هو الانتقال من الخطاب العام إلى العمل المنظم القائم على التنسيق والتكامل بين مختلف القوى السياسية والاجتماعية. ويقتضي ذلك اعتماد منهج يقوم على الحوار الدائم وتبادل الآراء بروح من المسؤولية، بعيدًا عن الإقصاء أو المنافسة غير الإيجابية. إن إدارة التنوع في المجتمع الإريتري بصورة متوازنة تمثل عامل استقرار مهم، يمكن أن يسهم في تعزيز المشاركة السياسية وتوسيع قاعدة العمل الوطني. كما أن تطوير آليات العمل المشترك بين المكونات المختلفة للحراك يشكل خطوة أساسية نحو بناء بيئة سياسية أكثر استقرارًا وقدرة على تحقيق التغيير المنشود. ومن هذا المنطلق، فإن المرحلة القادمة تتطلب مقاربة عملية وواقعية، تضع المصلحة الوطنية في صدارة الاهتمام، وتعمل على توظيف الطاقات والخبرات المتاحة لتحقيق أهداف جامعة تخدم تطلعات الشعب الإريتري في التنمية والعدالة والاستقرار.

 
 
 

Comments


bottom of page