الصين وإريتريا … حسابات النفوذ العسكري في القرن الإفريقي
- tvawna1
- Oct 20, 2025
- 3 min read

تشهد اليوم منطقة القرن الإفريقي تحولات متسارعة جعلتها إحدى أهم بؤر التنافس الدولي في العقد الأخير، إذ تتقاطع فيها رهانات جيوسياسية واقتصادية وأمنية على ضفتي البحر الأحمر، أحد أكثر الممرات البحرية أهمية في العالم، وتتصدر الصين هذا السباق من خلال تعزيز حضورها الاقتصادي والعسكري، بدءا بإنشاء قاعدتها العسكرية الأولى خارج حدودها في جيبوتي سنة 2017، وصولا إلى مؤشرات متزايدة على نيتها توسيع نفوذها باتجاه إريتريا، الدولة التي تتمتع بموقع استراتيجي فريد على البحر الأحمر، كما أن التحركات الصينية المحتملة لا يمكن فصلها عن مشهد دولي أكثر تعقيدا، يتسم بعودة التنافس بين بكين وواشنطن في كل الجغرافيا ذات القيمة الاستراتيجية، فالتسريبات الأخيرة عن مساع أمريكية للحصول على موطئ قدم عسكري في أرض الصومال تعني أن الولايات المتحدة الأمريكية تخطط لإعادة هندسة حضورها في القرن الإفريقي، وهو ما يدفع الصين بدورها للتفكير في خيارات بديلة خارج جيبوتي، خاصة وأن تلك القاعدة تواجه ضغوطا متزايدة من القوى الغربية، وتعرضت سابقا إلى خلافات مع القوات الأمريكية المتمركزة في معسكر ليمونيه، وفي هذا الإطار، فإن إريتريا تمثل من هذه الزاوية خيارا منطقيا للصين، فالساحل الممتد على طول 1200 كيلومتر يوفر منافذ بحرية طبيعية عميقة، أبرزها ميناءا مصوع وعصب القادران على استيعاب السفن الحربية الصينية بأقل قدر من التهيئة، كما أن العلاقة السياسية بين بكين وأسمرة عرفت زخما متناميا في السنوات الأخيرة، تُوجت بزيارة الرئيس الإرتيري “أسياس أفورقي” إلى الصين في سنة 2023 حيث أكد الطرفان على شراكة استراتيجية واسعة تتجاوز الاقتصاد إلى ملفات الأمن والتنمية، كما أن التقارب الصيني الإرتيري يجد جذوره أيضا في نمط العلاقة الذي تنسجه بكين مع دول إفريقية تعاني من عزلة دولية أو ضغوط غربية، فالصين تقدم نفسها شريكا اقتصاديا دون شروط سياسية، وهو ما يناسب نظام “أفورقي” الذي تعرض لعقوبات غربية بسبب سجله الحقوقي، كما قد ساهمت الاستثمارات الصينية في مجالات التعدين والبنية التحتية في خلق اعتماد متبادل بين الجانبين، الأمر الذي قد يمهد الطريق لتعاون عسكري أعمق.
من الناحية الجيوستراتيجية، البحر الأحمر يمثل بالنسبة للصين جزءا من مبادرة الحزام والطريق، وتحديدا طريق الحرير البحري، ومرور ما يقارب عشرة في المئة من التجارة البحرية العالمية عبر هذا الممر يفرض على بكين البحث عن وسائل لضمان أمن خطوطها البحرية وحماية استثماراتها في الموانئ الإفريقية، لذلك فإن قاعدة عسكرية أو ترتيبات لوجستية في إريتريا ستمنحها قدرة إضافية على مراقبة الملاحة في مضيق باب المندب وتأمين مصالحها في حال تعرضت قاعدتها في جيبوتي لأي ضغوط أو قيود، لكن أي خطوة صينية في هذا الاتجاه لن تمر دون ردود فعل من القوى المنافسة، فإقامة قاعدة أو وجود عسكري في إريتريا سيعني تحولا في ميزان القوى بالبحر الأحمر، ويفتح الباب أمام مزيد من العسكرة في منطقة تعج أصلا بالقواعد الأمريكية والفرنسية واليابانية وحتى التركية والخليجية، كما أن الولايات المتحدة تحديدا ستنظر بعين القلق لأي توسع صيني، وقد تسعى إلى تسريع خطواتها مع أرض الصومال أو تعزيز تعاونها مع دول مثل إثيوبيا و”إسرائيل” لضمان تفوقها، أما من زاوية إقليمية، سينعكس الحضور العسكري الصيني على توازنات حساسة، كما أن إريتريا لها سجل في التدخل في النزاعات المجاورة، كما حدث في حرب “تيغراي” بإثيوبيا أو في دعم أطراف داخل اليمن، فضلا عن تعزيز قدراتها بدعم صيني قد يشجعها على اتباع سياسات أكثر حزما تجاه جيرانها، ما قد يعقد جهود الاتحاد الإفريقي والمجتمع الدولي لإرساء الاستقرار في المنطقة، وإلى جانب البعد الأمني، يتقاطع التوسع العسكري مع مصالح اقتصادية واسعة، كما أن الصين تستثمر مليارات الدولارات في مشاريع التعدين الإرتيرية، مثل منجم “كولولي” للبوتاس ومنجم بيشا للذهب والنحاس والزنك، وهذه المشاريع تساهم بشكل ملموس في الاقتصاد الإريتري وتزيد من ارتباطه بالصين، ومع توسع هذا الارتباط الاقتصادي، يبدو منطقيا أن يسير معه تعاون أمني يوفر الحماية اللازمة لهذه المصالح، خاصة في بيئة إقليمية متقلبة، غير أن المسألة ليست محسومة بالكامل، الصين عادة ما تتصرف بحذر في إقامة قواعد خارجية، فهي تدرك أن أي تحرك متسرع قد يضر بصورتها كشريك اقتصادي غير استعماري، وقد يعرضها إلى ردود فعل مضادة، كما أن إريتريا نفسها قد تتردد في استضافة قاعدة صينية خشية أن يزيد ذلك من عزلتها أو أن يجلب عليها عقوبات غربية جديدة، وعلى الرغم من ذلك، فإن الاتجاه العام يشير إلى أن بكين تميل إلى تعزيز وجودها في البحر الأحمر بما يتجاوز جيبوتي، وربما لا تأخذ الخطوة شكل قاعدة ضخمة في الوقت الراهن، بل ترتيبات أكثر مرونة مثل تسهيلات لوجستية أو موانئ يمكن للسفن الصينية أن تستخدمها عند الحاجة، وفي جميع الحالات فإن مجرد التفكير في إريتريا كخيار بديل يعكس مدى إدراك الصين لأهمية المنطقة في معادلة التنافس العالمي، والسؤال لم يعد إن كانت الصين ستتوسع عسكريا في إريتريا أم لا، بل متى وبأي صيغة ستفعل ذلك، فالبيئة الاستراتيجية الحالية، مع انشغال الولايات المتحدة بخياراتها في أرض الصومال والتوترات المستمرة في البحر الأحمر، توفر فرصة لبكين لتثبيت موطئ قدم إضافي، وفي حال تحقق ذلك، فإن البحر الأحمر سيدخل مرحلة جديدة من عسكرة متسارعة تزيد من مخاطر التصعيد وسوء التقدير، وتجعل من القرن الإفريقي ساحة مركزية في لعبة الأمم بين الشرق والغرب. المصدر >>>>>






Comments