موقعة الحذاء الواسع
- tvawna1
- Sep 17, 2025
- 3 min read
16/09/2025
الكاتب / فتحي عثمان
خرج علينا موقع أفريكا انتليجنس والذي ينطلق من باريس بخبر يفيد أن أبي أحمد كون "قيادة خاصة" بالحرب مع ارتريا (يقدم الزميل عبد القادر محمد علي تناولاً تحليلياً جيداً للخبر في صفحته). والخبر يأتي ضمن ما يمكن تسميته بالشق النفسي من الدعاية التي يروج لها أنصار الحرب اليوم في أديس أبابا.

تصرفات أبي أحمد وتصريحاته "النارية" يجب التوقف عندها بروية وتمعن وفحص اتجاهاتها الظاهرة والخفية.
فالرجل يرفع "سقف" حربه المقبلة فوق الممكن السياسي، والمقدور العسكري، والتبرير القانوني معاً. وهو في تلك الحالة يشبه الطفل الذي يتعثر بحذاء أبيه.
ففيما يتعلق باستعادة عصب، فذلك غير ممكن قانونياً وعسكرياً كما أشرنا في مقال سابق؛ إذ لا يمكن أن يتم ذلك بدون إزالة إسياس أفورقي تماماً من المشهد، مما يجعل المعركة المفترضة حول عصب معركة جانبية. وأبي أحمد – في وضعه الراهن- لا يجرؤ على التصريح بأن حربه هي حرب ضد خصمه إسياس أفورقي، خوفاً من فقدان الدعم الشعبي، لذلك يلجأ لمبررات استعادة عصب لتحقيق غرضين: الأول هو التخويف والحرب النفسية، والثاني الحصول على الدعم من الفئات المؤيدة لطرحه وللكسب الجماهيري كذلك.
أما "الغاء" استقلال ارتريا فذلك هدف أكثر تعقيداً من الاستيلاء على عصب. فاستقلال ارتريا، على غير العادة، تكون من شقين صعبين لا يمكن كسرهما بسهولة. الأول هو "تحرير" البلاد بفوهة البندقية وفرض سياسة الأمر الواقع إقليمياً ودولياً، وقطع البحرية الإثيوبية التي تبعثرت حتى موانئ اليمن بعد معركة فنقل تشهد بذلك. أما الشق الثاني فكان تدعيم الأمر الواقع بالأمر القانوني، وتأييد تحرير الأرض بالرغبة القانونية والشعبية في الاستقلال ورفع العلم؛ لذلك فإن دعوى الغاء استقلال ارتريا من طرف أبي أحمد تتطلب منه الغاء الأمرين معاً؛ وهذا التاريخ لم يكن أبي أحمد جزءاً منه بحكم انتمائه القومي المهمش آنئذ وبعدم وجوده على مسرح الأحداث حينها.
لكن هنا تنبغي الإشارة إلا أن القوانين الدولية ومؤسساتها هي اليوم في أضعف أحوالها عالمياً وهذا ما قد يشجعه للتعامل مع الأمر كله سياسياً وعسكرياً دون الانخراط في الأبعاد القانونية له، ولكن في كل الأحوال فإن "السقف العالي" الذي يرفع إليه مستوى التأجيج الحالي ويهيج به الجموع (تأييداً في اثيوبيا، وتخويفاً في ارتريا) لا يساعد في كسب الحرب لأن التمويه في أهدافها وأغراضها قد يعوق التخطيط والتنفيذ معاً مع مراعاة أن أي حرب قادمة لن تكون بين طرفين فقط.
حروب منطقتنا وبحكم القيادة السياسية السائدة تخالف منطق التحليل والفهم في متطلباتها وأهدافها، فتكون نتائجها دوماً ضغثاً على إبالة كما يقول المثل. فلا أهداف الحروب واضحة، ولا قدرات المتحاربين تساعدهم، ولا النتائج مضمونة.
فقادتنا يمكن أن يدخلوا حرباً وحسابات نسبة الانتصار فيها لا تتجاوز العشرين في المئة أو أقل؛ اعتماداً على رغبات وحسابات لا تختلف هي ذاتها عن الرغبات الدفينة لمطلقيها من عقالها. والدليل على ذلك أن الأسباب المعروفة التي في العادة تمنع الحروب تقليدياً تكون هي نفس الأسباب التي تفجرها. فإذا أخذنا أبي احمد، على سبيل المثال، نجد أن وضعه الداخلي في إقليم الأمهرة الذي لا يستطيع حتى اليوم اخضاعه، بينما يطمح إلى غزو ارتريا وإلغاء استقلالها، ووضع بلاده الاقتصادي وعلاقاتها الدولية وجاهزيته للحرب، نجد أن كل تلك العوامل مما يكبح قدرته على شن الحرب، لكن هنا نجد عوامل الضعف هذه بالذات هي التي تدفعه دفعاً نحو الحرب، بسياسة الهروب إلى الأمام وحرق الجسور. فحروبنا ليست هي حروب القوة والقدرة كما هي العادة في الحروب، بل هي حروب الضعف والخوف، لذلك تكون نتائجها فوق التصور والاحتمال.
فبلد يشهد حرباً أهلية ومصاعباً في علاقاته مع جيرانه قلما يلجأ إلى إثارة حرب (في المألوف)، ولكن في حالتنا وأوضاع دولنا فإن عكس ذلك هو الصحيح.
وبما أن حرب أبي أحمد لن تكون سوى دعوة مفتوحة لأطراف أخرى للخوض في دمائها؛ فإن وضع قادة تيغراي خاصة دبرصين غبرمكئيل يبدو هو الأصعب، وهو موقف لا يحسد عليه مطلقاً. فأبي أحمد لم ينتصر على تيغراي في حربه ضدها، بل كسب أكثر من ذلك بشق صف القيادة السياسية للإقليم. فدبرصين لا يستطيع أن يقف متفرجاً في حرب بين أبي وأفورقي كما أسلفنا، وتاريخ قراراته السياسية كان محيراً، بل ولا يتسم بالحكمة (مثال ذلك توجه قواته نحو أديس ابابا في الحرب الأخيرة). فقرارته كانت دوماً مكلفة لقواته ولشعبه، والتحدي يعود إليه مجسماً هذه المرة وهو واقع بين مطرقة وسندان عدوين لدودين. ومخرجه المتاح يتمثل في استثمار تعارك العدوين وتحديد اتجاهه حسب ميل ميزان القوة حتى يخرج من منطقة "كش ملك" التي ينحصر فيها. أما أفورقي، فحدث ولا حرج، فهو يلوذ بصمت القبور رغم قرع طبول الحرب فوق رأسه، وهو يراهن على ملء الشقوق الاثيوبية بالزيت والنار، وهو أمر لا يغيب عن فطنة عدوه الذي يعدو عدواً نحو المواجهة.
الأمر برمته خطير وأخطر من التعامل معه بشعارات جوفاء من شاكلة (السيادة الوطنية خط أحمر) وما شاكلها من حشرجات نائية وبائسة. التغافل عن طرح الأسئلة الحارقة والصائبة في هذا الوقت بالذات، بسبب من قصور عقلي لدى البعض، ومداهنة وارتزاقاً لدى بعض آخر، يوصل إلى إجابات مهلكة، كأن يهلك المرء نفسه قبل أن يهلكه عدوه.
وكما قال عنترة بن شداد الذي خبر ويلات الحروب: الحرب أولها شكوى، وأوسطها نجوى، وأخرها بلوى.






Comments