top of page

"مراكب الكريستال"... أسمرا بوصفها عبوراً مؤجَّلاً

  • tvawna1
  • Dec 17, 2025
  • 3 min read

Updated: Dec 18, 2025

Dec 16, 2025

ثمة مدن تُروى بوصفها ذاكرة، وأخرى تُكتب بوصفها جرحاً مفتوحاً. أسمرا، في رواية "مراكب الكريستال"، تراها تقع في المنطقة الفاصلة بين الاثنين. مدينة لا تطلب الشفقة ولا ترفع شعار البطولة، تتحرّك بخفة من يعرف أن الهروب أحياناً صيغة أخرى للبقاء.

مدخل الرواية موارب، فأنت بين عبور يتحدّى الألم وتأمل يغريك بالمكوث طويلاً، بين حوار الحكيم وهذيان السكير. كعادته يقحمنا كهال بفعل التورط بعلاقة متأزمة مع شخوص الرواية، العابرين أو الكومبارس الذين يؤدون دور موظفي الاستقبال. فأهلاً بك، عزيزي القارئ، في أسمرا التي أحبها البطل أم لم يحبها؟ سؤال مكث البطل باحثاً عن إجابته عشر سنوات من الصمت... أحياناً يخيل إليك أن المدينة ترتجف، وأن ذلك العراء المترامي، عراء مسحور، يقتل الحياة في كل ما يلمسه.

إلى جانب الصمت، كانت العتمة بصالة السينما الأثيرة ملجأً لشباب أسمرا، هرباً من جمود الحياة وخنادق التجنيد. ثم يقطع الجنود ظلام السينما العتيقة، يضيئون وهم الفرار، فينتشلون الشباب من المقاعد، كمشهد مؤجل لفرارهم من المدينة أو هروب المدينة ذاتها من وجدانهم. تماهٍ دقيق بين بطل الرواية وتفاصيل المدينة، كأنه يبحث عن سبب وجيه كي يحبها، حتى لو كان عبثاً، ويجول بخاطره تلك الدقة الرفيعة في وصف لحظة المغادرة، وظفها بشكل مستتر.

"لقد أغراني الطقس بعد توقف المطر وهبوب الهواء العليل بالسير على الأقدام إلى فندق الخرطوم، وهكذا سرت بخطى متمهلة إلى أن وصلت بعد ساعة من السير إلى الفندق. في الصباح الباكر من اليوم التالي ذهبت إلى محطة الحافلات. وجدت الحافلة خالية من الناس إلا من أربعة ركاب، إحداهم امرأة ربطت طفلها إلى ظهرها بجراب جلدي مرصع بالخرز."

لحظة الانعتاق تستلزم الدهشة أحياناً، وتستدعي الرجاء الخالص أن تتم دون مفاجأة تربك ما ظل بطل الرواية يعمل من أجله طويلاً، حيث انتحال صفة شخصية مسيحية مرضيّ عنها، واتخاذ اسم يتماشى مع سحنته المسالمة. والدارج أن الحب يظهر بالأفعال لا بالكلام الجميل، فجاء هذا السرد متشبثاً بأدق التفاصيل، متقناً، حياً، نابضاً بالحياة.

وللكوميديا السوداء بصمة حالكة، فعبق هذا الشعب عجيب: يثور وينتفض ثم ينتصر، ويتعرض للغدر ثم يهاجر. كل تلك الأحداث ترافقها طبوله وموسيقاه، وحفل زفاف تتألف فيه كل المظاهر: عريس ببدلة باذخة وتبدو مستعارة، وعروس بفستان مطرّز بحرفية خياط إريتري عاصر الإيطاليين وأصبح "سارتو"، وزفة عرس افتراضية يشارك فيها العريس والعروس والمغنية، وجوقة العازفين، ومفتعلات الزغاريد، وحتى السائق. كلهم مهاجرون، لاجئون، باحثون عن إحدى الحسنين: الموت أو الوصول إلى لامبيدوزا!

يا لجرعة المغامرة التي نلتها في سرد العبور، إلى أن لاح جبل (التاكا)، علامة دخول حدود كسلا السودانية. والعم سلمون، بطل الظل في البقعة الرمادية من الأحداث، يوخز القارئ بألم؛ فهو، وإن غلبت الغايات، يظل وحيداً بغاية تسمو عن البقية، سمواً محيراً يصل إلى درجة اختلاف المعنى أحياناً، ولكنه يجاور السائد.

قرأت معظم أعمال كهال، وشخوصه عالقة بذهني، لكنني توجست خيفة من العم سلمون، بحيث أجده أبعد من مفهوم الأب الحزين الفاقد الباحث عن جثة ابنه، ووجدته إريتريا كلها، الباحثة عن جثة أبنائها في براري سيناء وبحر لامبيدوزا. أحسست أن أمراً مبيتاً سيحدث في القادم؛ لربما كان العم سلمون سردية تنبؤية عن مستقبل الوطن، عن مستقبل الشعب، ولربما مستقبل البشرية جمعاء.

أبوبكر كهال، ذلك الصوت الأدبي الرفيع والمبدع، ليس مجرد كاتب، بل راوٍ عاش تجارب بلده ومحنه، شاهد على حكايات الإريتريين في صمتهم وألمهم وانتصاراتهم الصغيرة. كتب الرواية والقصص القصيرة التي تتسم بالعمق الإنساني والملاحظة الدقيقة للتفاصيل، والقدرة على مزج الواقع بالرمزية الساحرة، ليقدم لنا صورة متكاملة عن الإنسان والمكان. من بين أعماله الشهيرة التي لاقت انتشاراً واسعاً وترجمت إلى عدة لغات، (تيتنكات أفريقية)، التي تُعد رحلة سردية فريدة إلى قلب إفريقيا، حيث تتداخل حكايات الشعوب والأجيال، وتبرز ذكاء الروائي وقدرته على نسج التاريخ والفولكلور في نسيج سردي متقن يأسر القارئ منذ الصفحة الأولى.

لقد أسّس كهال حضوراً مميزاً في الأدب العربي المعاصر، وترك بصمة خالدة تتجاوز حدود وطنه، لتصل إلى كل قارئ يبحث عن الصدق والشغف في الرواية. يظل صوته المبهج والفخم، كما يظهر في سفن الكريستال، شاهداً على قدرة الأدب على التقاط روح الإنسان في مواجهة التحديات الكبرى، وعلى تحويل المعاناة إلى جمال فني نابض بالحياة.

أترك لك، عزيزي القارئ، إكمال الرحلة، لتكتشف في نهايتها أنك أمام رواية كتبها راوٍ أصيل، عاش كل تلك التجارب ورآها بعينه، صاغها بحرفية عالية وروح ملهمة. الآن يرتشف قهوته في كوبنهاغن، بعيداً عن شخوصه وأحداثه وتضاريسه التي صنعت "مراكب الكريستال".

 
 
 

Comments


bottom of page