top of page

لماذا سيكون سقوط أفورقي وشيكاً ومدوياً؟

tvawna1
2 minutes ago
3 min read

بقلم الاستاذ / فتحي عثمان 22/10/2026

قبل الشروع في إجابة هذا السؤال الجوهري لننظر أولاً في دوافعه ومسبباته.

التأمل في المصير الذي سوف يلاقيه أفورقي ليس نابعاً من حب لشخصه أو إعجاب بتاريخه بقدر ما هو مدفوع بألم يمزق الأحشاء أشلاء. إنه ألم يشعر به الكاتب ويتسلل خلسة عبر الحروف إلى القارئ، والكثيرون منا يكتمونه كسرطان ينمو ويكبر كل يوم في الدواخل.

وذلك لأن سوادنا الأعظم يتهرب- حيثما وجد إلى ذلك سبيلاً- من التفكير في مصير البلاد حال سقوط أفورقي، مهما كان سبب سقوطه. وذلك لأن ذلك التأمل يدفع إلى الواجه سؤالاً آخر أخطر: هل يعني سقوط أفورقي سقوط ارتريا؟

وقبل أن تتكاثر الأسئلة وتتشعب الإجابات عليها، دعونا نبدأ بسؤال المقال: لماذا سيكون سقوط أفورقي وشيكاً ومدوياً؟

سيكون سقوطه وشيكاً- وبحساب أعمار الدول- لأن العمر الافتراضي لحكمه قارب على الانتهاء بيولوجياً وسياسياً؛ وسيكون سقوطه مدوياً لأن الدوامة التي ستعقب سقوطه ستكون بعيدة الأثر.

في حال قيام مجموعة وطنية مخلصة في الداخل بإنهاء حكمه، فإن إجابة الشق الثاني من السؤال ستكون مختلفة، لكنها ستفضي إلى أسئلة أخرى. فإذا كانت إزالته عن المشهد عنيفة، فإن تلك الدوامة قد تكون جارفة. أما إذا تم التغيير بهدوء وحكمة فقد يلغي ذلك رعب السؤال الثاني المتعلق بسقوط ارتريا، وهو أمنية كل حريص.

أما سقوطه بسبب الضغوط الخارجية (سياسية كانت أم عسكرية) فهي التي ستدفع بالسؤال الثاني إلى الواجهة- وهو سؤال يخيف كل الارتريين، ما عدا الذين يعدون العدة لإسقاط الرجل من الخارج.

قبل الإجابة على السؤال الثاني لننظر إلى بعض دروس التاريخ حول سقوط "الحاكم الأوحد ومصير دولته" التي تربع على عرشها.

أبرز نموذج في التاريخ الحديث هو لويس السادس عشر آخر ملوك فرنسا، والذي تم إعدامه في ساحة عامة في فرنسا. بسقوط هذا الملك لم تسقط فرنسا كوطن وبلد وشعب، بل سقط نظام ملكي دام حكمه الف سنة. نعم سقطت فرنسا القديمة (آنسيان رجيم) بملكيتها وإمتيازاتها وتمايزها الطبقي وسلطتها الحاكمة وقيمها السائدة.

ومهد السقوط لنهوض دام ومضني لفرنسا الجديدة.

أما النموذج الثاني والذي تعود البعض التخويف من سيرته هو نموذج القذافي، فعندما سقط القذافي سقطت معه ليبيا الجماهيرية العظمى المتوهمة، وسقط معه الخوف والتملك الفردي والعائلي واللجان الثورية والكتاب الأخضر، وكل ما يمثله حكمه. وبقيت البلاد والشعب ليواجها تبعات سنوات حكمه المستبد.

ما واجهته ليبيا هو نتيجة لسنوات من حكم فرد ربط مصير البلاد بمصيره، وهذا ما يحدث لمن يتصرف بأنه هو الدولة والدولة هي هو.

أفورقي وخلال سنوات حكمه الكالحة ربط الدولة في ساقه وحيث ما سار أو تعثر لاقت مصيره. ولكن سقوط أفورقي هو سقوط للسلطة التي بناها والسجن الذي شيده والرعب الذي نشره.

لماذا يبدو سقوط أفورقي مخيفاً حتى للمقربين منه ومؤيديه؟

لأن أقرب المقربين إليه والمؤيدين البعيدين له يشعرون بالخوف من دنو سقوطه بسبب أنهم لا يعلمون ماذا سيحدث لهم بعد سقوطه، وبما أنهم لا يعلمون ماذا سيحدث لهم، فإنهم ومن باب أولى لا يعلمون ماذا سيحدث للبلاد- هذا إذا كان أمر البلاد يهمهم أصلاً.

فالكل يعلم (المؤيد لأفورقي والساخط عليه) أنه إذا سقط فلن يكون هناك نائباً للرئيس ليستلم مقاليد الحكم، ولن يكون هناك برلماناً لينصب رئيساً انتقاليا، أو حتى حزباً ليعين خلفاً له. فليس هناك في الأفق لا شخصية ولا مؤسسة تعمل كفرشة ماصة لصدمة السقوط.

أما الأسباب المعجلة بسقوطه فقد تخمرت على مدى السنوات وتكاثرت في هذه الأيام: فالتآكل الداخلي أصاب مفاصل البلاد وأقعدها عن كل طلب. وعندما تقوم السلطة بإجبار كبار السن على حمل البندقية فذلك معناه أن منظومة الدفاع إنهارت قبل إطلاق أي طلقة عليها. أما شرعية الحكم فهي أشبه بخيمة طارت بها الريح إلى درك سحيق. أما نفاذ الحيلة فسببه تعاظم المخاطر الخارجية والداخلية.

بالنسبة للخطر الخارجي فالرجل يعيش عاقبة ارتدادات تدخله في حرب تيغراي (2020-2022)، وهذه الإرتدادات ذات طبيعة زلزالية هذه المرة وقد لا تفيد الحيل القديمة في معالجتها.

وبما أننا بصدد الحديث عن السقوط فحري بنا تناول الذين يقولون بأن الحكام يسقطون (فقط) نتيجة أسباب خارجية.

ونعود مرة إلى دفاتر التاريخ، فروما، رغم جلالها وعظمتها، لم تسقط (فقط) بسبب هجمات القبائل الجرمانية عليها، بل هرمت وشاخت وكانت تنتظر من يطلق عليها رصاصة الرحمة.

والأندلس لم تسقط (فقط) بسبب تحالف فرديناند وإيزابيلاِ بل كان اقتتال إمراء الدويلات دعوة مفتوحة للفناء والخراب، وكذلك كان الضعف في مفاصل الدولة العثمانية سبباً في الإنقضاض عليها.

لكل هذه الأسباب وأسباب أخرى لا يتسع المقال هنا لذكرها فإن سقوط أفورقي أصبح وشيكاً وسيكون مدوياً طبقاً للطريقة التي سيتم بها.

أما التحدي الذي سيواجه الشعب الارتري وبقوة هو إمكانية التعافي من سنوات المرض الأفورقي وعقابيل سقوطه.

وخلاصة القول أن اعتبار أفورقي هو ارتريا وارتريا هي أفورقي هو ما يعظم الخسائر اليوم وغداً. وكما أشرنا في مقال سابق، إذا لم يتم الفصل الجراحي المؤلم والمصيري بين البلاد وحاكمها الأوحد (وهو ربط مأساوي عمل عليه الحاكم طول عمره) فإن العواقب ستكون وخيمة. وقد تكون الفترة السابقة لسقوط أفورقي (وجود حالة ممتدة من اللاحرب واللاسلم) واحداً من الضغوط الكبرى على الشعب في الداخل والخارج، مما يدفع نحو البحث البدائل الوطنية الكبرى.

وقد يتاح للشعب الارتري اليوم اجتراح هذا الفصل المصيري بين مصير الحاكم ومصير البلاد، وعندها فقط سيكون قادراً على حماية الأرض من الأطماع الاثيوبية التاريخية وإقامة علاقات تقوم على الندية وخيارات الشعب

Comments


bottom of page