طوفان الهجرة
- tvawna1
- 10 minutes ago
- 3 min read

مفتاح. العماري 29/04/2026 من جذور كونتا كينتي إلى غرق مالوك «وقد بدت الهجرة للبعض مثل موجة منفلتة أو شلال هارب يصعب فهمه، ولا يدرك أحد متى ولا كيف سيتوقف. ويعلق كثيرون وسط الحيرة التي ألمت بهم وهم يشاهدون ما يفعله هذا المسّ: ستغدو أفريقيا مثل خشبة مجوفة تعزف فيها الريح ألحان العدم».
(تيتانكات أفريقية)من شواطئ شمال أفريقيا إلى ضفاف أوروبا، وعلى مدى أربعة عقود ما تزال قوارب الموت، تمخر حوض البحر المتوسط ليل نهار. مجسدة أضخم موجات النزوح الجماعي ضراوة في التاريخ. طوفان بشري عارم يطوي المواسم والفصول عامًا بعد عام، كما لو أن قارة بأسرها تبحث عن مأوى. أفريقيا الشهقة الأولى في حياة الكون باتت تغادر نفسها، وقد دأب أبناؤها يهربون من جحيمها، بحثا عن النعيم الأرضي.إن أكثر الهجرات ضلالة في التاريخ؛ هي تلك التي لا يمكنك الخروج من شرك متاهتها، بحيث يتعذر فيها على الماضي اللحاق بك. وهنا يقع العبء على حقيبة السرد، لمعالجة هكذا معضلة. وهذا ما انبرى لفعله الروائي، «أبوبكر حامد كهال»، في سياق روايته الأصيلة: «تيتانكات أفريقية»؛ مدركًا بوعي السارد أن حياة اللغة، بكل ما تنطوي عليه من كلمات وأحلام كفيلة بجعل النهايات رغم تراجيديتها أقل توحشًا؛ طالما في إمكان المهاجر الأفريقي عبور الصحراء والبحر معًا. في الرحلة نفسها التي ستهب دون منّة كل ذخيرتها للحياة والموت. وفي آن واحد، ستترك باب العودة مشرعًا.كان لضراوة عنف الواقع في معظم بلدان جنوب الصحراء الكبرى شأنها في رحلة بطل رواية كهال، من أريتريا إلى السودان، وصولًا إلى ليبيا، ثم تونس. لتضعه في الاتجاه المعاكس لرحلة «كونتا كينتي»، بطل رواية الجذور لأليكس هايلي. غرابة هذه المفارقة الساخرة تكمن في قلب المعادلة رأسًا على عقب، فما كان في الماضي طريقًا لتجارة الرقيق، تحول إلى مغامرة استثمار باتجاه الحرية. لتبدو آلية السرد هنا خالية من أي أثر لشبهات الحقد والضغينة؛ طالما غاية الأحفاد عبور البحر ذاته الذي حمل أجدادهم كعبيد مقيدين بالأصفاد. في زمن كانت فيه سفن الرقيق أكثر متانة، وقوة على مقارعة البحر. خلافا لقوارب سماسرة التهريب المتهالكة والتي لم يكن قباطنتها غير المؤهلين كربابنة، سوى المقهورين أنفسهم، الهاربين من جحيم أوطانهم.كأن حوض البحر الأبيض المتوسط، ليس هو البحر نفسه الذي عبرته سفن تجارة الرقيق في العصور الغابرة، عندما كان يُساق الأفارقة مكبلين بالأصفاد صوب مصير عبوديتهم، كسلعة تباع وتشترى في أسواق النخاسة. ليصبح عبوره الآن توقًا شرسًا إلى الحرية، حيث يدفع المهاجرون غير الشرعيين أموالًا إلى عصابات التهريب، لكي يفلتوا بأجسادهم إلى الضفة الأخرى، سعيًا إلى الجنة والرفاهة والحرية. وفي سبيل ذلك ابتلع البحر آلاف الغرقى. طالما لا مفر من تقديم القرابين.إن حيازة ليبيا على الحصة الأوفر من رمال الصحراء الكبرى، وأطول ساحل على الضفاف الجنوبية للبحر الأبيض المتوسط، كذلك أطول خط حدود برية مع ستة بلدان أفريقية، يربو على قرابة سبعة آلاف كيلو متر. فضلا عن أحداث الربيع، وما نجم عنها من حروب وقلاقل، وانقسام في السلطة؛ جعل من سواحلها إحدى أكبر محطات التهريب البشري لضخ الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا. ومن ثم ليس من المستغرب أن أول رواية تتمحور حول قوارب الموت الأفريقية، سوف تكتب في عاصمتها طرابلس، وتنشر حلقاتها مسلسلة في إحدى صحفها المحلية، قبل أن يتعاقد كاتبها على نشرها مع دار الساقي اللبنانية سنة 2008م. لتحظى في حينها، بمأثرة الرواية الأكثر رواجا. وتقرأ حتى يومنا هذا بأكثر لغات العالم حضورا وانتشارا.بذرة الأدب وحدها هي ما حذت بصديقنا، أبوبكر حامد كهال، أن يترك عازف الجيتار الحالم لمصيره الغامض، ربما لكي يجاور بين الحرية والموت في معزوفة واحدة، اختزلت كل شيء. من الحب والإرادة، إلى سفر الأبدية، مرورًا بالشعر والأسطورة والتاريخ. وهنا أعني (موكا)، الفتى الليبيري الذي ذهب قربانًا لإله البحر، ليس كفكرة فلسفية، وإنما كجسر رمزي يعبره الآتون. وبذا حققت رواية كهال مقاربة طموحة لذلك الإعجاز الذي تصبو إليه لغة الرائي. ولعلها بذلك تعد من الروايات النادرة التي تجذبك لإعادة قراءتها، ليس لقصرها، وإنما لكونها ستأخذك ببساطة في رحلة صبورة باتجاه المستقبل. حتى لو كان مشروعًا للغرق.«تيتانيكات أفريقية»، رواية سيروية، تضمنت حيزًا واسعًا من تجارب وخبرات الكاتب نفسه، الذي سبق له خوض جزء من غمار هذه التجربة في شقها الصحراوي، كما عايش عن كثب معاناة عديد المهاجرين الذين التقى بهم في طرابلس وغيرها من مدن ليبيا الساحلية. تجربة تائقة جاورت بين تقنيات السرد الوثائقي، والمقال الصحفي، وتتابع لقطات السيناريو السينمائي، مع تطعيمات فلسفية، وفواصل ترخي نفسها بين حين وآخر، تحت ظلال محملة بالشعر والأسطورة والموسيقى والرسم. ومن قرأ «تيتانكات أفريقية» بروية تليق بالأدب الأصيل؛ سيدرك أن شهرتها لم تكن مجرد ضربة حظ صنعتها المصادفة، بل استمدت قيمتها من كتابة رصينة، عبرت عن درجة عالية من طموح السرد، وجمالياته.وعلى الرغم من المكابدة الجسورة التي تجشمها أبطال، تيتانكات أفريقية من عطش وجوع وخوف وهلاك في الصحراء، ثم خوض مغامرة البحر لأجل الوصول إلى الضفة الآمنة. حيث الحلم بأوروبا كجنة منشودة؛ سيظل هاجس العودة إلى الوطن، مضمرًا على الدوام. ولا سيما عقب فاجعة غرق (مالوك)، عازف الجيتار. لتفضي خاتمة المطاف بعودة (أبدار) ورفيقته (ترحاس) إلى أريتريا. كإشارة تشي بالأمل، ربما كما يتنبأ الراوي: «قد تكون هذه الأرض معقل الإنسانية الأخير، مثلما كانت مهدها الأول». المصدر >>>>


Comments