top of page

تقرير مصور-إريتريا المنبوذة تسعى للخروج من عزلتها وسط استمرار حرب إيران

tvawna1
10 hours ago
7 min read

من جوليا بارافيتشيني

5 أكتوبر 20268:05 م

[1/3]شارع مزدحم بالمارة وراكبي الدراجات في وسط العاصمة الإريترية أسمرة يوم 19 يونيو حزيران 2026. تصوير: مونيكا موانجي - رويترز شراء الترخيص

أسمرة 5 أكتوبر تشرين الأول (رويترز) - عندما كانت حليمة محمد في السادسة من عمرها، اصطحبها والداها إلى مدرسة الثورة في قلب الصحراء، حيث نشأ أبناء المقاتلين الإريتريين الذين كانوا يقاتلون من أجل الاستقلال.

كان المقاتلون الجرحى يُدرسون قواعد اللغة عندما لا يحملون بنادقهم. أما الآباء والأمهات فكانوا يطلون على أبنائهم نادرا، ثم يتوارون مجددا بين الجبال والصحارى في حرب استمرت 30 عاما قبل أن تنفصل إريتريا عن إثيوبيا في عام 1993.

تقدم لكم وكالة رويترز عبر نشرتها البريدية اليومية تغطية إخبارية موثوقة وشاملة لأهم المستجدات السياسية والاقتصادية في المنطقة العربية والعالم. تسجيل الاشتراك هنا.

والآن تشغل حليمة (56 عاما) منصب وزيرة التعليم في إريتريا، حيث لا يزال ذلك النضال الثوري يلقي بظلاله الثقيلة على أحد أكثر المجتمعات انعزالا وانضباطا على وجه الأرض. تشرف حليمة على نظام تعليمي يربط مستقبل أطفال البلاد بخدمة الدولة. ويجب على جميع المراهقين الخضوع لتدريب عسكري قرب نهاية المرحلة الثانوية قبل أن يُكلفوا بمهام إلزامية، وغالبا ما تكون لفترة غير محددة، في الجيش أو في ​الخدمة الوطنية، وهي في الغالب وظائف مدنية منخفضة الأجر مثل التدريس والعمل في الشرطة.

وقالت حليمة لرويترز، التي حصلت على فرصة نادرة لدخول البلاد "يحصل جميع خريجي المدارس على وظيفة على الأقل، ويحصلون على رواتبهم. وفي الوقت نفسه، يخدمون البلد... إذا كنت تريد المزيد من الحرية، فعليك أولا أن تنعم بوطن، وعليك أن تتمتع بالأمن القومي، لأننا دفعنا ‌ثمنا باهظا من أجل إريتريا".

لطالما عانت إريتريا من العزلة من قبل الغرب، الذي يعتبر البلد الواقع في شرق أفريقيا من بين أكثر الدول قمعا في العالم، في حين أن الحكومة في أسمرة اتبعت هي نفسها سياسة الانعزال السياسي والاقتصادي. لم تُجر أي انتخابات منذ أن أصبحت دولة ذات سيادة في التسعينيات. وأُغلقت وسائل الإعلام المستقلة في عام 2001. وتحدى مئات الآلاف من الإريتريين قيود السفر الصارمة، التي تمنع معظم المواطنين في سن العمل من مغادرة البلاد، وفروا إلى الخارج. ومع ذلك، اكتسبت هذه الدولة الصغيرة التي يقل عدد سكانها عن أربعة ملايين نسمة أهمية جيوسياسية جديدة هذا العام خلال حرب إيران، بفضل ساحلها الممتد لنحو ألف كيلومتر على طول طريق الملاحة في البحر الأحمر الذي يربط بين البحر المتوسط وآسيا. وقد برز هذا الطريق كبديل حيوي لمضيق هرمز، الذي كان الممر الرئيسي لصادرات الطاقة الخليجية قبل أن يؤدي الصراع إلى تعطيله فعليا. كما جعلت هجمات الحوثيين في اليمن، المتحالفين مع إيران، على السفن التجارية في البحر الأحمر، في المنطقة المقابلة لإريتريا عند المدخل ​الجنوبي للممر الملاحي، من المياه الإريترية ممرا محتملا أكثر أمنا لحركة العبور.

وقال موريثي موتيجا، مدير برنامج أفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، وهي مؤسسة بحثية مقرها بروكسل "تقع إريتريا في موقع جغرافي بالغ الأهمية على الساحة العالمية... سلطت الحرب في الخليج الضوء على أهمية البحر الأحمر بوصفه منفذا بديلا لتلك المنطقة. فلا عجب أن تتودد قوى خارجية إلى أسمرة". وظهرت مؤشرات على تحسن العلاقات مع ​العالم، ففي الأسبوع الماضي، رفعت واشنطن العقوبات المفروضة على إريتريا، والتي كانت فرضت بسبب دور الجيش الإريتري في نزاع تيجراي في إثيوبيا في الفترة من 2020 إلى 2022. وقالت وزارة الخارجية الأمريكية إن إدارة الرئيس دونالد ترامب اتخذت هذا القرار "لخدمة المصالح الإقليمية للولايات المتحدة".

أجرت رويترز مقابلات مع عدد من ⁠كبار المسؤولين الحكوميين خلال رحلة إلى إريتريا في الآونة الأخيرة، بالإضافة إلى عشرات الإريتريين في الداخل والخارج، لتكوين صورة عن مجتمع معزول إلى حد كبير عن العالم الحديث.

وكرر المسؤولون رسالة واحدة متسقة مفادها أن إريتريا مستعدة للتفاعل والتجارة ومستعدة للانفتاح على المستثمرين الراغبين في استغلال مواردها من الذهب والنحاس والبوتاس. كما أنها تدرس إصلاح نظامها التعليمي لمنح الشباب دورا أكبر في رسم مستقبلهم.

ومع ذلك، تكمن وراء هذه الطموحات ​دولة تشكلت ملامحها بناء على قناعة راسخة لدى قادتها بأن بقاء الوطن يعتمد على إجراءات أمنية داخلية صارمة ويقظة عسكرية دائمة في مواجهة الجارة الأكبر إثيوبيا.

وشهدت العلاقات بين البلدين توترا في السنوات القليلة الماضية بسبب مطالبة إثيوبيا، الدولة الحبيسة، بأن تمنحها إريتريا منفذا تجاريا وبحريا إلى البحر الأحمر، لا سيما عبر ميناء عصب القريب من حدودهما.

وتعتبر إثيوبيا، التي تمتعت بإمكانية الوصول إلى الساحل لعقود قبل انفصال إريتريا، أن الوصول إلى ​البحر مسألة ملحة تتعلق بالأمن القومي. وفي المقابل، تقول أسمرة إنها تخشى أن تحاول أديس أبابا السيطرة على عصب بالقوة.

وقال جيتاتشو رضا، مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي للشؤون الإقليمية، إن أديس أبابا لم تهدد قط باستخدام القوة أو انتهاك سيادة إريتريا. وأضاف أن إريتريا تمثل تهديدا أمنيا بسبب استعدادها لتمويل حركات تمرد داخل إثيوبيا، وهو اتهام تنفيه أسمرة.

وقال جيتاتشو إن الوصول إلى البحر الأحمر مسألة ضرورة اقتصادية لإثيوبيا، البلد الذي يبلغ عدد سكانه 130 مليون نسمة، وإن حكومته مستعدة للتوصل إلى ترتيب سلمي مع إريتريا، مثل اتفاق طويل الأجل لاستئجار الموانئ.

وفي الأسبوع الماضي، قطعت الدولتان علاقاتهما الدبلوماسية، حيث طردت إثيوبيا الدبلوماسيين الإريتريين وردت أسمرة بالمثل.

ولم تكن إريتريا معزولة دائما عن الغرب، فقد كانت تتمتع بعلاقات ودية مع الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية في السنوات التي أعقبت استقلالها قبل انهيار العلاقات الدبلوماسية في عام 2001 عندما شنت أسمرة حملة قمع على المعارضين السياسيين والصحفيين.

* عاصمة فوق السحاب

تبدو أسمرة، عاصمة إريتريا الواقعة على المرتفعات، وكأنها مدينة خارج الزمن.

فعند الغروب، يمضي ​مسنون، كثيرون منهم من المحاربين القدامى الذين يستخدمون الكراسي المتحركة أو العكاكيز، أوقاتهم وهم يحتسون قهوة الماكياتو تحت لافتات إيطالية باهتة في مقهى فيتوريا ومقهى أمريكا، وهما من إرث الحقبة الاستعمارية الإيطالية التي سبقت السيطرة الإثيوبية.

يظل الوصول إلى الإنترنت، الخاضع لرقابة مشددة، محدودا وبطيئا. وقليلون هم من ينشغلون بالنظر إلى هواتفهم. ويشرب الشبان زجاجات بيرة بلا ملصقات تنتجها شركة مملوكة للدولة. ونادرا ما تُرى سيارات في الشوارع بسبب التقنين ​الصارم للوقود الذي تفرضه الحكومة، باستثناء عدد محدود من سيارات الأجرة القديمة التي صمدت في اقتصاد أنهكته العقوبات الغربية على مدى عقود.

ورغم حديث الوزراء عن الإصلاح والانفتاح، يحجم كثيرون من عموم الإريتريين عن الخوض في أمور السياسة.

وغالبا ما كانت الأحاديث تنتهي بالطريقة نفسها، بنظرة سريعة وراء الكتف، ثم خفض الصوت، فابتسامة مهذبة. وقال عدة أشخاص عندما تحولت الأسئلة إلى الخدمة الوطنية أو الحريات السياسية "من الأفضل ألا نتحدث عن ذلك". ولم يوافق آخرون على الحديث ‌إلا بعد طلب عدم ⁠الكشف عن هوياتهم.

وخلال السير في أحد الأحياء السكنية بأسمرة، كان صوت التصفيق يتردد من داخل دار سينما قديمة، حيث كانت تعقد جلسة تعريفية عن "ساوا".

ربما لا شيء يجسد التوترات التي تعصف بالمجتمع الإريتري أكثر من ساوا، وهو معسكر للجيش يقع في الصحراء النائية قرب الحدود مع السودان. ففي هذا المعسكر يتعين على المراهقين إتمام عامهم الأخير من التعليم الثانوي والخضوع لتدريب عسكري.

في السينما، وقفت صفوف من المراهقين الذين سيغادرون منازلهم متجهين إلى ساوا أمام منصة حيث كانت شابة تتنقل بين شرائح عرض باور بوينت مليئة بصور طلاب يرتدون الزي العسكري المموه، وهم يسيرون في تشكيلات عسكرية ويدرسون في الفصول الدراسية.

كانت مقدمة العرض، لونا إرمياس (24 عاما)، ترتدي سروالا من الجينز ونظارة شمسية ترفعها فوق رأسها، فيما كان تقويم أسنانها يلمع كلما ابتسمت. وتحدثت بحماس عن تجربتها.

وقالت لرويترز لاحقا "كنت هناك في عام 2019. إنه يعلمك الاعتماد على نفسك. تتعلم كيف تدير أموالك ووقتك، وتتعرف على أشخاص من مختلف أنحاء إريتريا".

* الفرار عبر صحراء ملتهبة

لكن كثيرين لا يشاركونها هذا الحماس.

وقال موسى إن عمره كان 17 عاما عندما قرر أن الفرار أفضل من الالتحاق بمعسكر ساوا. وكان مقتنعا بأنه إذا بقي، فلن يكون له أي سيطرة على حياته.

ولم يحمل معه سوى القليل. وغادر منزله متسللا تحت جنح الظلام، على أمل عبور الحدود إلى إثيوبيا قبل أن تلقي السلطات القبض عليه.

لكنه لم ينجح.

وقال موسى إنه أمضى الأشهر الستة ​التالية في السجن. وأضاف أنه بعد الإفراج عنه لم يُسمح له بالعودة إلى منزله، بل أُلحق ​بالخدمة العسكرية في ميناء عصب المطل على البحر الأحمر.

ثم فر مرة أخرى.

وهذه المرة نجح.

وعبر صحراء ⁠الدناكل الحارقة إلى إثيوبيا قبل أن يصل إلى دولة أخرى في شرق أفريقيا، حيث أجرت معه رويترز مقابلة. وكلفته الرحلة آلاف الدولارات دفعها لمهربين، وهي أموال اقترضها من أقارب يعيشون بالفعل في الخارج.

واطلعت رويترز على وثائق لجوء موسى، كما تحدثت إلى ثلاثة من أفراد أسرته أكدوا روايته. ولم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من جميع تفاصيل الرواية التي قدمها الشاب الذي طلب عدم نشر اسمه الكامل أو مكان وجوده.

وليست قصته حالة فريدة. فبحسب الأمم المتحدة، يعيش أكثر من 679 ألف إريتري لاجئين أو طالبي لجوء في الخارج، وهو ما يمثل نسبة كبيرة من سكان البلاد القليلين. وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش وكثير من ​جماعات حقوق الإنسان الأخرى إن احتمال الخضوع لفترات طويلة من الخدمة الإلزامية دفع أجيالا من الشبان إلى الفرار، وغالبا في رحلات محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء الكبرى والبحر المتوسط.

ولم تعلق الحكومة الإريترية على التفاصيل الواردة في رواية موسى، لكنها قالت إن طالبي اللجوء عادة ما يختلقون روايات للحصول على ​حق اللجوء.

كما طعنت الحكومة في أرقام الأمم المتحدة، قائلة إن ⁠نسبة كبيرة ممن صُنفوا لاجئين هم في الواقع من دول مجاورة انتحلوا صفة الإريتريين للحصول على اللجوء السريع والمزايا الاجتماعية. وأضافت أن الشباب الإريتريين لا يغادرون البلاد أساسا بسبب الخدمة الوطنية، وإنما بسبب عوامل خارجية تشمل الحوافز الاقتصادية ولم شمل الأسر وسياسات اللجوء السخية في الدول الغربية.

ووفقا للأمم المتحدة، تعد ألمانيا وسويسرا والسويد وبريطانيا والولايات المتحدة من أبرز الوجهات الغربية للاجئين وطالبي اللجوء الإريتريين.

* الحلم بمرسيدس-بنز

لكن ليس كل من يرغب في مغادرة البلاد ينجح في ذلك.

ففي أسمرة، التقت رويترز مع مهندس ميكانيكا كان من بين طلاب ساوا الذين حققوا أعلى الدرجات، مما أتاح له الالتحاق بالجامعة. وتحدث بحماس عن الهندسة الألمانية، وقال إنه كان يحلم بالعمل يوما لدى شركة مرسيدس-بنز. لكن بدلا من ذلك، كلف بوظيفة حكومية كميكانيكي سيارات.

وقال "أنت لا تدرس ما تريد. وحتى إذا أنهيت دراستك الجامعية، فإنك غالبا لا تعمل في مجال تخصصك".

وأضاف أن راتبه البالغ نحو 2300 نافكا (153 دولارا) شهريا لا يكاد يغطي الاحتياجات الأساسية، ⁠وأن ادخار مبلغ يكفي لدفع ​أموال للمهربين أو لتمويل حياة في الخارج يبدو أمرا مستحيلا.

ويقول مسؤولون في أسمرة إن الحكومات الغربية وجماعات حقوق الإنسان دأبت على تقديم صورة مشوهة عن برنامج الخدمة الوطنية في إريتريا، من خلال تجاهل الضغوط الأمنية التي تواجهها البلاد من جانب إثيوبيا، ​التي تربطها بها واحدة من أكثر العلاقات تقلبا في أفريقيا.

خرجت إريتريا من حرب استقلال استمرت 30 عاما وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف من الجانبين، لتجد نفسها بعد سبع سنوات فقط تخوض حربا حدودية مدمرة أخرى مع جارتها. كما عزز استمرار أعمال العنف في المنطقة شعورا بالتعبئة الدائمة داخل الدولة الفتية.

أما حليمة، الطفلة التي تُركت في الصحراء قبل عقود، فتجلس اليوم خلف مكتب خشبي في وزارة التعليم بأسمرة، التي تتخذ من مبنى (كاسا ديل فاشيو) الأحمر المميز مقرا لها، وهو مبنى شُيد خلال الحقبة الاستعمارية ليكون ​مقر الحزب الوطني الفاشي الإيطالي في إريتريا.

ورغم أن لديها أربعة أبناء، فإنها لا تقلل من شأن إحباطات الشباب الإريتري. وتقول إن هدفها النهائي هو استبدال الخدمة الوطنية الإلزامية بكليات مهنية ومدارس فنية. لكنها تؤكد أن جميع الخطط تظل رهنا باعتبارات الأمن القومي.

وقالت "علينا أولا أن نفكر في إريتريا. علينا أن نحميها... بصفتي أما، علي أولا أن أفكر في إريتريا". المصدر>>>>

Comments


bottom of page