top of page

بين إثيوبيا وإريتريا... ماض معقد ومستقبل غامض

tvawna1
26 minutes ago
5 min read

اعتبرت أسمرة مبررات أديس أبابا لعمليات طرد الدبلوماسيين أعمالاً عدائية لا مبرر لها


محمود أبو بكر كاتب صحفي، مختص في قضايا البحر الأحمر ودول حوض النيل 

 الأحد 4 أكتوبر 2026 14:48


جنود إريتريون ينتظرون في طابور لعبور الحدود لحضور مراسم إعادة فتح المعبر مع إثيوبيا (غيتي)  ملخص

أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بياناً حثت فيه البلدين، إضافة إلى مصر، على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال، ومعالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية الراسخة والحوار السلمي، وفقاً لمبادئ القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي.

تبادلت إثيوبيا وإريتريا قبل أيام حملة تصعيد دبلوماسي متبادلة بدأت بطرد أديس أبابا عدداً من أعضاء السفارة الإريترية لديها، وهو ما ردت عليه أسمرة بقطع العلاقات الدبلوماسية، في إجراءات أثارت اهتمام الأوساط الدولية باعتباره تأزيماً للموقف إلى أقصى مدى.

صحيح أن البلدين الواقعين في منطقة القرن الأفريقي انخرطا في تصعيد دبلوماسي، لكن أسمرة اتخذت إجراءات أكثر حدة، وهنا يبقى السؤال: لماذا قررت إريتريا القطيعة التامة بعد القرارات الإثيوبية التي استهدفت استبعاد 10 من دبلوماسييها، بمن فيهم القائم بأعمال السفارة الإريترية وممثلها لدى الاتحاد الأفريقي ودبلوماسيون معتمدون لدى مفوضية الاتحاد؟

قراءة في القرارين

يكشف البيان الصادر من أديس أبابا عن إعلان بإغلاق سفارة إثيوبيا لدى أسمرة، لكن من دون الإشارة إلى قطع العلاقات الدبلوماسية، إضافة إلى استبعاد 10 دبلوماسيين إريتريين، لأسباب لم يحدد طبيعتها، لكنه وصفها بأنها "تشكل تهديداً مباشراً للأمن القومي الإثيوبي"، إضافة إلى زعمه أنها تمثل "انتهاكاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية"، وحدد مهلة 48 ساعة لمغادرتهم البلاد.

ووفقاً لاتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية الموقعة عام 1961، والتي جرت الإشارة إليها في البيان الإثيوبي، فإن المادة التاسعة منها تنص على أن "للدولة المعتمد لديها الدبلوماسيون الحق في أي وقت، ومن دون ذكر الأسباب، أن تبلغ الدولة المعتمدة أن رئيس البعثة الدبلوماسية أو أي عضو من طاقمها أصبح شخصاً غير مرغوب فيه".

وغالباً ما يرتبط قرار الإبعاد بحالة انتهاك الدبلوماسي المعتمد نتيجة انتهاك إحدى المادتين 41 و42 من الاتفاقية ذاتها، وهما المادتان المتعلقتان باحترام قوانين ولوائح الدولة المعتمد لديها، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، ويجوز أن يكون الاستبعاد ناتجاً من ممارسة الدبلوماسي لنشاط مهني أو تجاري من أجل تحقيق الكسب الخاص.

قد يبدو القرار الإثيوبي، وفقاً لهذه الرؤية القانونية مقبولاً من حيث الشكل، إلا أن من الصعوبة بمكان إغفال شقه السياسي، لجهة أن الاستبعاد لا يخص شخصاً أو شخصين، بل 10 دبلوماسيين دفعة واحدة، إضافة إلى توقيته لكونه أتى في ظرف سياسي متوتر للغاية وينذر باندلاع حرب بين البلدين.

وثمة ثغرة قانونية يطرحها المراقبون تتعلق بأن رئيس البعثة الإريترية المستبعد يعد هو الممثل الدائم لبلاده في مفوضية الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى أن عدداً من الدبلوماسيين الآخرين الذين جرى بحقهم قرار الاستبعاد أيضاً معتمدون لدى الاتحاد الأفريقي، مما يجعل الموقف الإثيوبي أمام "حالة انتهاك للوائح القانونية المتعلقة بكونها دولة المقر للاتحاد الأفريقي، بخاصة أن قرارات الاعتماد أو سحبه يقع ضمن اختصاصات الاتحاد الأفريقي، وهو صاحب الولاية القانونية في هذه الحالة".

لكن ثمة سابقة أقدمت عليها أديس أبابا خلال عام 1998، أثناء فترة الحرب الحدودية بينها وبين أسمرة، إذ أعلنت أن السفير الإريتري جرما أسمروم، وهو أيضاً ممثل بلاده الدائم لدى منظمة الوحدة الأفريقية - آنذاك - شخص غير مرغوب فيه، وطالبته بمغادرة الأراضي الإثيوبية في ظرف 24 ساعة. وعلى رغم أن القرار الإثيوبي انتهاك للقوانين المنظمة لالتزامات دولة المقر، فإن المنظمة الأفريقية لم تتحرك لإبطال مفعول قرار أديس أبابا، مما يعزز فرص مرور القرار الحالي من دون عواقب قانونية أو سياسية أيضاً.

من الناحية الأخرى جاء بيان الخارجية الإريترية قبل يومين رافضاً للأسباب المبهمة التي قدمها بيان الخارجية الإثيوبية في شأن دبلوماسييها الـ10. وفي المقابل اتهمت أسمرة نظيرتها بانتهاج "سياسة عدائية" استمرت لثلاثة أعوام بما في ذلك تورطها في "التخطيط لغزو موانئها".

أثارت إجراءات التصعيد المتبادلة اهتمام الأوساط الدولية باعتباره تأزيماً للموقف إلى أقصى مدى (رويترز)

واعتبرت إريتريا المبررات الإثيوبية لعمليات الطرد "أعمالاً عدائية لا مبرر لها"، مشيرة إلى أن أديس أبابا وخلال السنوات الثلاث الماضية، شنت "حرباً معلنة" ضدها، مدفوعة برغبة في الحصول على منفذ بحري سيادي، من خلال التهديد بغزو الموانئ والمناطق الساحلية الإريترية.

وقال البيان إن الحكومة الإثيوبية دأبت على استضافة وتدريب وتسليح جماعات مختلفة من "المعارضة المسلحة الإريترية"، واصفة تلك التحركات بأنها تهدف إلى تأجيج الصراع الداخلي بغرض تغيير النظام في إريتريا.

البيان الإريتري الذي عدد الأسباب التي أفضت إلى قرار قطع العلاقات الدبلوماسية، لم يتضمن إشارات واضحة إلى مسؤولية الاتحاد الأفريقي والتزاماته تجاه الدبلوماسيين المعتمدين لديه، باستثناء الإشارة إلى أنهم معتمدين لدى مفوضية الاتحاد.

وعزا المراقبون ذلك إلى قناعة أسمرة المتقدمة في شأن محدودية فاعلية الاتحاد الأفريقي، بخاصة أن إريتريا دأبت على اتهام الاتحاد بارتهان قراراته للموقف الإثيوبي، فضلاً عن موقفها من رئيس مفوضية الاتحاد الحالي محمود علي يوسف، الذي سبق أن خاض معارك دبلوماسية وسياسية ضد أسمرة، أثناء تقلده لمنصب وزير خارجية جيبوتي.

من جهتها أصدرت مفوضية الاتحاد الأفريقي بياناً حثت فيه البلدين، إضافة إلى مصر، على ضرورة الحفاظ على قنوات الاتصال، ومعالجة خلافاتها عبر القنوات الدبلوماسية الراسخة والحوار السلمي، وفقاً لمبادئ القانون التأسيسي للاتحاد الأفريقي. وأكدت المفوضية الأفريقية استعدادها، بالتشاور مع الدول المعنية، لدعم الجهود الرامية إلى التهدئة والحوار والحل السلمي للخلافات.

وأعاد قرارا تعليق العلاقات الدبلوماسية بين إريتريا وإثيوبيا إلى الأذهان تاريخ العلاقات بين البلدين الجارين اللذين يرتبطان بصلات معقدة شهدت خلال العقود الماضية، سلسلة من التطورات.

الذاكرة الدامية

خضعت إريتريا لسلسة من القوى الاستعمارية منذ القرن الـ16، وتحديداً منذ دخول البرتغاليين للساحل الإريتري خلال عام 1521، قبل أن يأتي الغزو العثماني ليطرد نظيره البرتغالي عام 1557، حيث انضوت البلاد تحت حكم الدولة العثمانية حتى 1866، ثم جاء الاستعمار الإيطالي الذي بدأ خلال عام 1882، قبل أن يغادر مكرهاً عام 1942 إبان الحرب العالمية الثانية، حيث خضعت إريتريا للانتداب البريطاني، لـ10 سنوات.

وفي حين كان الإريتريون يطالبون بالاستقلال أسوة بغيرهم من الدول الأفريقية، وفقاً لمبدئي تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير، اللذين اعتمدتهما الأمم المتحدة باعتبار أن إريتريا مستعمرة إيطالية، ظلت بعيدة من السيادة الإثيوبية لنحو خمسة قرون.

لكن تداول ملف إريتريا في مجلس الأمن خلال عام 1950، أفضى إلى قرار أممي بإنشاء اتحاد فيدرالي بينها وبين إثيوبيا، تتمتع فيه الحكومة الإريترية بامتيازات أقرب ما تكون للاتحاد الكونفيدرالي، ودخل حيز التنفيذ خلال عام 1952 تمتعت فيه إريتريا ببرلمان وحكومة مستقلتين، في حين ترتبط فيدرالياً بالتاج الإثيوبي.

إلا أن هذا الاتحاد لم يدم طويلاً، إذ قرر الإمبراطور هيلي سلاسي تقليص صلاحيات الحكومة الإريترية المنتخبة، وبرلمانها المستقل، وفرض تدابير جديدة، نفذت تدريجاً، وصولاً إلى قراره المنفرد بحل البرلمان الإريتري، وإعلان ضم إريتريا رسمياً وتحويلها إلى إقليم إثيوبي خلال عام 1962.

أعاد قرارا تعليق العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إلى الأذهان تاريخ علاقاتهما المعقد (رويترز)

هذه التدابير الإثيوبية أدت إلى اندلاع "الثورة الإريترية" بقيادة جبهة التحرير الإريترية، خلال عام 1961، ثم الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا خلال سبعينيات القرن الماضي، واستمر الكفاح التحرري ثلاثة عقود، إذ تمكن الإريتريين من تحقيق حلم التحرير من الاحتلال الإثيوبي خلال مايو عام 1991.

وقد أدت مداولات مجلس الأمن الدولي، حول الحالة الإريترية، إلى ضرورة إجراء استفتاء ترعاه الأمم المتحدة، لمعرفة رغبة الإريتريين في الاستقلال، والذي نظم خلال يومي الـ23 والـ24 من أبريل (نيسان) عام 1993 كانت نتيجته 99.8 في المئة نعم للاستقلال، ومن ثم جرى قبول إريتريا عضواً في الأمم المتحدة بناءً على قرار مجلس الأمن الدولي رقم 282/93، وجرى الاعتراف بها من معظم دول العالم بما فيها حكومة إثيوبيا بقيادة ملس زيناوي.

سنوات العسل

شهدت الفترة التي أعقبت إعلان الاستقلال الإريتري علاقات متميزة بين أسمرة وأديس أبابا، خصوصاً أن الحزبين الحاكمين في البلدين كانا حليفين في حرب التحرير لإسقاط نظام منغستو هيلي ماريام في أديس أبابا.

إلا أن طبيعة العلاقات ظلت تثير التساؤلات، بخاصة أن جزءاً من النخب السياسية الإريترية ظلت ترى فيها تفريطاً في شروط الاستقلال، خصوصاً فيما يخص استفادة إثيوبيا من الموانئ الإريترية، من دون رسوم مستحقة، فضلاً عن أن الاندماج الاقتصادي والسياسي المتزايد ظل يثير الشكوك، حول نوايا الحزبيين الحاكمين، في المقابل ظلت النخب السياسية المعارضة في إثيوبيا، ترى أن العلاقات بين الطرفين مبنية على إرادة الزعيمين، ولا تخضع للشروط المؤسساتية، وأن جزءاً كبيراً من الإريتريين لا يزالون يتمتعون بحقوق المواطنة المزدوجة.

وقادت التجاذبات حول السياسات المالية والاقتصادية بين قيادتي البلدين، وتحديداً بعد صك إريتريا لعملتها الخاصة خلال عام 1997، إلى بروز الخلافات السياسية، ومن ثم تصعيد القضايا الجانبية كوسيلة ضغط متبادل، مما قاد البلدان إلى حرب دامية على خلفية التنازع على مثلث حدودي منطقة بادمي.

عودة ذاكرة الحرب

بحلول مايو (أيار) عام 1998 كان فتيل الحرب قد تمدد على طول الحدود المشترك للبلدين، وتقطعت سبل التواصل، لتصبح البندقية هي الوسيلة الوحيدة، على رغم محاولات رأب الصدع من قبل عدد من الدول من بينها الولايات المتحدة - رواندا، وغيرها من المبادرات، إذ تجددت ذاكرة الحرب، وأضحت هي الحقيقة البارزة في علاقات البلدين، بعد أقل من سبعة أعوام على وضع آخر حرب أوزارها بين الطرفين.

المصدر >>>> اقرأ المزيد

Comments


bottom of page