إريتريا من دولة معزولة إلى لاعب جيوسياسي على البحر الأحمر
أتيحت لإريتريا الفرصة لتطوير علاقتها التاريخية مع الصين، إذ صارت جزءاً من مبادرة "الحزام والطريق"، ما أدخل إليها استثمارات صينية كبيرة.
المصدر: النهار

طلاب إريتريون يتجهون إلى مدارسهم في أسمرة عبر الدراجات الهوائية. (أ ف ب)
شهدت إريتريا في أيلول/سبتمبر الفائت حدثاً بارزاً تمثل برفع العقوبات الأميركية التي كانت قد أقرتها الإدارة السابقة عام 2021 في عهد الرئيس جو بايدن. وكانت هذه العقوبات قد جاءت بعد 3 سنوات على رفع العقوبات الأممية التي فرضها مجلس الأمن الدولي عام 2009 بسبب التوترات التي عرفها القرن الأفريقي لاسيما في الصومال وجيبوتي.
سلسلة العقوبات عزلت إريتريا عن العالم، وهي التي عرفت تاريخاً مليئاً بالحروب والنزاعات. ولفهم سياق أحداث اليوم، لا بد من إلقاء الضوء على التاريخ الحديث لهذه الدولة التي تحتل موقعاً استراتيجياً استثنائياً في القرن الأفريقي.
ولئن كانت الحرب الباردة قد رسّمت حدود المعسكرين الشرقي والغربي على شكل "الستار الحديدي" الذي قسّم أوروبا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وأيديولوجياً، فإن تحت هذا الستار كانت حدود أخرى تُخطّ على الخريطة الجيوسياسية للصراع الأميركي - السوفياتي.
فقد شهدت إريتريا مطلع السيتينيات حرب استقلال ضروساً مع جارتها إثيوبيا، التي كانت تحت حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي حليف الولايات المتحدة. وبالتالي لقي السوفيات في الثورة الإريتريّة فرصة لإضعاف النفوذ الأميركي في القرن الأفريقي.
هذا المشهد عاد وانقلب رأساً على عقب، مع الإطاحة بنظام الإمبراطورية ونشوء حكم ذي توجهات ماركسية بقيادة منغستو هايله مريام، والذي عُرف باسم "نظام الديرغ" (نظام المجلس العسكري) متبنياً "اللينينية" نهج الدولة الرسمي. وهنا انتقل ثقل الدعم السوفياتي من أسمرة إلى أديس أبابا.
سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، سمح لإريتريا بتنظيم استفتاء عام برعاية الأمم المتحدة، خرج بنتيجة واحدة: الاستقلال عن إثيوبيا محوّلاً إياها إلى دولة حبيسة.
لكنّ هذا كان مجرد بداية لمرحلة جديدة لم تكن أقل قسوة عمّا سبقها، فالصراع بين الدولتين استمر حتى صدور عقوبات مجلس الأمن الدولي.
روسيا مجدداً... والصين
عزل إريتريا عن المجتمع الدولي، وجدت فيه روسيا الاتحادية فرصة مشتركة، فمن جهة تعيد نفوذها إلى البحر الأحمر، وأسمرة تفك عزلتها من جهة أخرى. وعليه كان تعاون شمل مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
أيضا كان لإريتريا الفرصة لتطوير علاقتها التاريخية مع الصين، بحيث صارت جزءاً من مبادرة "الحزام والطريق"، ما أدخل إليها استثمارات صينية كبيرة. وهنا لا بد من الانتباه إلى أهمية الموانئ الإريتريّة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وصارت الشركات الصينية الكبرى تتولى تحديث شبكات الطرق والاتصالات المرتبطة بها وخصوصاً في ميناءَي عصب ومصوع.
الدخول الواسع لهذه القوى المنافسة للولايات المتحدة على المسرح الدولي، والتي تسعى لكسر أحادية النظام العالمي، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر بعلاقتها مع إريتريا، خصوصاً أن نفوذ موسكو وبكين يتوسع في أفريقيا وتمتلكان قواعد عسكرية على البحر الأحمر مثل جيبوتي، وهذا بالنسبة للأمن القومي الأميركي يشكل تهديداً لحرية حركة سفن القوات البحرية وقواعدها. ووضع ذلك إريتريا في موقع مفاوض ينتقل من "دولة مارقة" إلى من يمتلك أوراق قوّة مدعومة دولياً، مرفقاً بشاطئ يمتد إلى أكثر من ألف كيلومتر على البحر الأحمر، من مشارف باب المندب حتى السودان.

وكانت هذه العقوبات قد جاءت بعد 3 سنوات على رفع العقوبات الأممية التي فرضها مجلس الأمن الدولي عام 2009 بسبب التوترات التي عرفها القرن الأفريقي لاسيما في الصومال وجيبوتي.
سلسلة العقوبات عزلت إريتريا عن العالم، وهي التي عرفت تاريخاً مليئاً بالحروب والنزاعات. ولفهم سياق أحداث اليوم، لا بد من إلقاء الضوء على التاريخ الحديث لهذه الدولة التي تحتل موقعاً استراتيجياً استثنائياً في القرن الأفريقي.
ولئن كانت الحرب الباردة قد رسّمت حدود المعسكرين الشرقي والغربي على شكل "الستار الحديدي" الذي قسّم أوروبا سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وأيديولوجياً، فإن تحت هذا الستار كانت حدود أخرى تُخطّ على الخريطة الجيوسياسية للصراع الأميركي - السوفياتي.
فقد شهدت إريتريا مطلع السيتينيات حرب استقلال ضروساً مع جارتها إثيوبيا، التي كانت تحت حكم الإمبراطور هيلا سيلاسي حليف الولايات المتحدة. وبالتالي لقي السوفيات في الثورة الإريتريّة فرصة لإضعاف النفوذ الأميركي في القرن الأفريقي.
هذا المشهد عاد وانقلب رأساً على عقب، مع الإطاحة بنظام الإمبراطورية ونشوء حكم ذي توجهات ماركسية بقيادة منغستو هايله مريام، والذي عُرف باسم "نظام الديرغ" (نظام المجلس العسكري) متبنياً "اللينينية" نهج الدولة الرسمي. وهنا انتقل ثقل الدعم السوفياتي من أسمرة إلى أديس أبابا.
سقوط الشيوعية وانتهاء الحرب الباردة، سمح لإريتريا بتنظيم استفتاء عام برعاية الأمم المتحدة، خرج بنتيجة واحدة: الاستقلال عن إثيوبيا محوّلاً إياها إلى دولة حبيسة.
لكنّ هذا كان مجرد بداية لمرحلة جديدة لم تكن أقل قسوة عمّا سبقها، فالصراع بين الدولتين استمر حتى صدور عقوبات مجلس الأمن الدولي.
روسيا مجدداً... والصين
عزل إريتريا عن المجتمع الدولي، وجدت فيه روسيا الاتحادية فرصة مشتركة، فمن جهة تعيد نفوذها إلى البحر الأحمر، وأسمرة تفك عزلتها من جهة أخرى. وعليه كان تعاون شمل مختلف المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
أيضا كان لإريتريا الفرصة لتطوير علاقتها التاريخية مع الصين، بحيث صارت جزءاً من مبادرة "الحزام والطريق"، ما أدخل إليها استثمارات صينية كبيرة. وهنا لا بد من الانتباه إلى أهمية الموانئ الإريتريّة على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وصارت الشركات الصينية الكبرى تتولى تحديث شبكات الطرق والاتصالات المرتبطة بها وخصوصاً في ميناءَي عصب ومصوع.
الدخول الواسع لهذه القوى المنافسة للولايات المتحدة على المسرح الدولي، والتي تسعى لكسر أحادية النظام العالمي، دفعت واشنطن إلى إعادة النظر بعلاقتها مع إريتريا، خصوصاً أن نفوذ موسكو وبكين يتوسع في أفريقيا وتمتلكان قواعد عسكرية على البحر الأحمر مثل جيبوتي، وهذا بالنسبة للأمن القومي الأميركي يشكل تهديداً لحرية حركة سفن القوات البحرية وقواعدها. ووضع ذلك إريتريا في موقع مفاوض ينتقل من "دولة مارقة" إلى من يمتلك أوراق قوّة مدعومة دولياً، مرفقاً بشاطئ يمتد إلى أكثر من ألف كيلومتر على البحر الأحمر، من مشارف باب المندب حتى السودان. المصدر ..>>>>


Comments