top of page

السعي الإثيوبي إلى منفذ بحري يعيد إشعال التوتر مع إريتريا

  • tvawna1
  • 3 days ago
  • 4 min read

ربيعة خطاب 20 يونيو 2026

تشهد منطقة القرن الإفريقي تصاعدا جديدا في حدة التوترات السياسية والأمنية، في ظل تبادل الاتهامات بين إثيوبيا وإريتريا، بشأن التحضير لحرب جديدة قد تعيد المنطقة إلى دوامة الصراعات المسلحة بعد سنوات من الهدوء النسبي. ويأتي هذا التطور في سياق إقليمي معقد يتداخل فيه التنافس الجيوسياسي مع الملفات الحدودية والأمنية، فضلا عن تداعيات الحرب الإثيوبية في إقليم تيغراي، والجدل المتواصل حول مساعي أديس أبابا للحصول على منفذ بحري، وهو الملف الذي تعتبره أسمرة تهديدا مباشرا لتوازنات المنطقة وأمنها.

وتكتسب هذه التوترات أهمية خاصة بالنظر إلى الموقع الاستراتيجي للقرن الإفريقي، الذي يشرف على واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، ويجاور منطقة البحر الأحمر وخليج عدن، ما يجعل أي تصعيد بين إثيوبيا وإريتريا ذا انعكاسات لا تقتصر على البلدين، بل تمتد إلى أمن الملاحة الدولية واستقرار دول الجوار، في ظل التنافس الدولي والإقليمي المتزايد على النفوذ في هذه المنطقة الحيوية.

وفي هذا الإطار، يثير تبادل الاتهامات بين مسؤولي البلدين تساؤلات حول مستقبل العلاقات الإثيوبية الإريترية، ومدى قدرة اتفاقات السلام السابقة على احتواء الخلافات المتجددة، فضلا عن احتمالات انزلاق المنطقة نحو مواجهة جديدة قد تعيد رسم موازين القوى في القرن الإفريقي، وتلقي بظلالها على الأمن والاستقرار والتنمية في القارة الإفريقية بأسرها.

وفي هذا السياق، أكد إدريس سانوزي، خبير شؤون النزاعات والجريمة المنظمة العابرة للحدود، أن التصعيد المتبادل بين إريتريا وإثيوبيا لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد سجال إعلامي أو أزمة دبلوماسية عابرة، بل هو انعكاس مباشر لتحولات استراتيجية عميقة تعيشها منطقة القرن الإفريقي. وأوضح أن التحالف الذي جمع البلدين خلال الحرب في إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022 كان تحالفا ظرفيا فرضته ضرورات الميدان، لكنه لم ينجح في إزالة أسباب الخلاف التاريخية، وهو ما جعل انتهاء الحرب يفتح الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها تصفية الحسابات وإعادة ترتيب موازين القوى والنفوذ في المنطقة.

وأشار إدريس سانوزي إلى أن الجذور الحقيقية للأزمة تعود إلى استقلال إريتريا عن إثيوبيا عام 1993، وهو الحدث الذي غيّر التوازنات الجيوسياسية في القرن الإفريقي بصورة جذرية. فبحسبه، أدى الاستقلال إلى فقدان إثيوبيا منفذها البحري وتحولها إلى أكبر دولة حبيسة في العالم من حيث عدد السكان، وهو وضع فرض على أديس أبابا الاعتماد شبه الكامل على موانئ جيبوتي لتأمين تجارتها الخارجية، الأمر الذي رتب عليها أعباء مالية واقتصادية كبيرة، وجعل قضية الوصول إلى البحر تتحول من مطلب اقتصادي إلى قضية أمن قومي واستراتيجية دولة.

وأضاف إدريس سانوزي أن التحركات الإثيوبية الأخيرة للحصول على منفذ بحري تمثل أحد أبرز أسباب التوتر الراهن مع إريتريا. فالاتفاق الذي وقعته أديس أبابا مع “أرض الصومال”، إلى جانب التصريحات الرسمية التي تتحدث عن ضرورة امتلاك إثيوبيا منفذا سياديا على البحر، أثارت مخاوف عميقة لدى أسمرة التي تنظر إلى هذه التحركات باعتبارها تهديدا مباشرا لسيادتها ولمكتسبات استقلالها، كما تعتبرها محاولة لإعادة فتح ملفات جرى حسمها منذ عقود.

ويرى إدريس سانوزي أن أزمة الثقة بين البلدين تفاقمت بشكل كبير بعد حرب تيغراي، إذ يحمل كل طرف رواية مغايرة للأحداث. فإريتريا، بحسب الخبير، تعتقد أن الحكومة الإثيوبية استدرجتها إلى الحرب لتحقيق أهداف داخلية، قبل أن تعود لاحقا إلى الانفتاح على خصومها السابقين من خلال تفاهمات سياسية تمت برعاية أطراف دولية، في حين تتهم إثيوبيا أسمرة بالسعي إلى تقويض اتفاق بريتوريا للسلام، وإبقاء البلاد في حالة استنزاف دائم تحول دون استقرارها السياسي والأمني.

وأوضح إدريس سانوزي أن طبيعة الصراع بين البلدين شهدت تحولا واضحا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم تعد المواجهة مقتصرة على الاحتمالات العسكرية التقليدية، بل أصبحت تعتمد بصورة متزايدة على أدوات الصراع غير المباشر. ويبرز ذلك، حسب تقديره، من خلال تبادل الاتهامات بدعم جماعات معارضة، واستغلال الانقسامات العرقية والقبلية داخل كل دولة، بما يحول الجبهة الداخلية إلى ساحة مواجهة مفتوحة، ويجعل الأمن الداخلي أحد أهم ميادين الصراع بين الجانبين.

وأكد إدريس سانوزي أن الاتهامات الإثيوبية لإريتريا برعاية تحالفات معارضة، مقابل اتهامات أسمرة لأديس أبابا بدعم أطراف مناوئة لها، تعكس انتقال الأزمة إلى ما يعرف بحروب الوكالة والحروب الهجينة. فبدلا من المواجهة العسكرية المباشرة، يسعى كل طرف، بحسب رأيه، إلى إنهاك خصمه من الداخل عبر تشجيع الانقسامات المحلية، ودعم الفاعلين غير الحكوميين، وهو ما يزيد من هشاشة الأوضاع الأمنية ويطيل أمد النزاعات.

وأشار إدريس سانوزي إلى أن الأزمة لم تعد شأنا ثنائيا بين إريتريا وإثيوبيا، بل أصبحت جزءا من شبكة معقدة من التنافسات الإقليمية والدولية. فالتطورات الأخيرة في السودان، والخلافات المرتبطة بسد النهضة، والأوضاع في الصومال، جميعها أصبحت مترابطة بصورة تجعل أي تصعيد بين أسمرة وأديس أبابا قابلا للامتداد إلى ملفات إقليمية أخرى، خصوصا في ظل تنامي أهمية البحر الأحمر ومضيق باب المندب بالنسبة للقوى الدولية والإقليمية.

وأضاف إدريس سانوزي أن تشكل محاور إقليمية جديدة يعكس حجم التحولات التي يشهدها القرن الإفريقي. فهناك تقارب متزايد بين عدد من الدول التي تتقاطع مصالحها الأمنية والاستراتيجية، في مقابل تحركات إثيوبية تهدف إلى إعادة صياغة موازين القوى الإقليمية. ويرى أن هذا الاستقطاب يضاعف من احتمالات سوء التقدير السياسي والعسكري، ويزيد من صعوبة احتواء الأزمات مستقبلا.

وحذر إدريس سانوزي من أن منطقة القرن الإفريقي تقف أمام مرحلة شديدة الحساسية قد تدفع نحو مزيد من التفكك السياسي والأمني إذا لم يتم احتواء أسباب التوتر. وأكد أن استمرار توظيف الانقسامات الداخلية، وربط بقاء الأنظمة بإضعاف الدول المجاورة، ينذر بدخول المنطقة في مسار شبيه بعمليات “البلقنة”، حيث تصبح النزاعات الداخلية والصراعات العابرة للحدود الوسيلة الرئيسية لإعادة تشكيل موازين القوى، وهو ما ستكون له انعكاسات خطيرة على الأمن الإقليمي، وحركة التجارة الدولية، واستقرار البحر الأحمر والقارة الإفريقية بأسرها. المصدر >>>>>

 
 
 

Comments


bottom of page