دبلوماسية المواجهة: ما وراء التحول الإريتري في مجلس حقوق الإنسان؟
- tvawna1
- 5 minutes ago
- 4 min read

22 يونيو, 2026
صابر رباط

في مشهد يحمل أكثر من دلالة، وقفت السفيرة الإريترية صوفيا تسفاماريام، قبل أيام، أمام منصة مجلس حقوق الإنسان في جنيف، مدافعةً بلهجة دبلوماسية هادئة عن نظامٍ يُتهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وفي الجهة المقابلة، كان المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في إريتريا، الدكتور محمد عبد السلام بابكر، يعرض تقريرا يتحدث عن معتقلين غُيّبوا منذ ربع قرن، وشباب يفرون من خدمة وطنية تحولت إلى سجن مفتوح، وقضاء لا يستقل عن إرادة السلطة.
بين الخطابين، ثمة هاوية لا يسدها بروتوكول دبلوماسي، ولا تملؤها بيانات نفي وتبرئة. فالمشكلة ليست في نقص المدافعين عن النظام، بل في غياب أي حدث ملموس على الأرض يمكن أن يمنح ذلك الدفاع شيئا من المصداقية. لكن السؤال الأكثر إزعاجا الذي تطرحه هذه المواجهة ليس فقط: لماذا فشل النظام الإريتري في إغلاق هذا الملف؟ بل أيضا: لماذا يسمح المجتمع الدولي لهذا الفشل بالاستمرار لعقود، وكأن الوقت يعمل لصالح الجلادين لا لصالح الضحايا؟
لم تكن جلسة مجلس حقوق الإنسان هذا العام مجرد محطة دورية ضمن أعمال المجلس، بل شكلت حدثا سياسيا لافتا في مسار العلاقة المتوترة بين النظام الإريتري وآليات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان. فالمفاجأة التي حملتها الجلسة تمثلت في مواجهة علنية ومباشرة، لأول مرة، بين السفيرة الإريترية والمقرر الخاص، مواجهة حملت في طياتها دلالات سياسية تجاوزت مضمون النقاش التقليدي حول أوضاع حقوق الإنسان في البلاد.
أرادت أسمرة، عبر الحضور المباشر، توجيه رسالة سياسية مفادها أنها قادرة على الدفاع عن موقفها أمام المجتمع الدولي، وأنها تجاوزت مرحلة المقاطعة أو الردود المكتوبة إلى مرحلة الدبلوماسية التفاعلية
اعتمد النظام الإريتري لسنوات طويلة استراتيجية ثابتة، تقوم على رفض التقارير الأممية والتشكيك في مصداقيتها، واتهامها بالتسييس والانحياز. وفي المقابل، واصلت آليات الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية الدولية توثيق استمرار الانتهاكات الجسيمة، وعلى رأسها الاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري، وغياب استقلال القضاء، واستمرار الخدمة الوطنية غير محددة الأجل.
لم يكن الجديد هذه المرة في طبيعة الاتهامات أو الردود، بل في انتقال السفيرة صوفيا تسفاماريام إلى واجهة المواجهة. فمن الواضح أن أسمرة أرادت، عبر هذا الحضور المباشر، توجيه رسالة سياسية مفادها أنها قادرة على الدفاع عن موقفها وجها لوجه أمام المجتمع الدولي، وأنها تجاوزت مرحلة المقاطعة أو الردود المكتوبة إلى مرحلة الدبلوماسية التفاعلية.
لكن مجريات الجلسة أوضحت أن المشكلة الجوهرية ليست في غياب من يدافع عن النظام، بل في غياب الوقائع التي يمكن أن تُقنع المجتمع الدولي بأن أوضاع حقوق الإنسان في إريتريا شهدت تحولا حقيقيا. فالمجتمع الدولي، في مثل هذه الملفات، لا يقيس المواقف بقوة الخطاب السياسي أو البراعة الدبلوماسية، بل ينظر إلى المؤشرات الملموسة على الأرض.
لماذا فشل النظام الإريتري في إغلاق هذا الملف؟ بل أيضا: لماذا يسمح المجتمع الدولي لهذا الفشل بالاستمرار لعقود، وكأن الوقت يعمل لصالح الجلادين لا لصالح الضحايا؟
هذه المؤشرات، للأسف، لا تزال على حالها. فآلاف المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي ما زالوا مجهولي المصير، بينهم وزراء سابقون، وقادة عسكريون، وصحفيون، ورجال دين من مختلف الطوائف. كما تظل قضية أعضاء مجموعة الإصلاح G-15)) والصحفيين المستقلين المعتقلين منذ عام 2001 إحدى العلامات الأكثر سواداً في سجل النظام.
بالموازاة مع ذلك، تواصل الخدمة الوطنية غير المحددة الأجل دفع أعداد كبيرة من الشباب إلى الهجرة القسرية، في غياب أي أفق سياسي أو قانوني يضمن الحقوق الأساسية والحريات العامة. ولم تُظهر السلطات، حتى اليوم، أي استعداد جاد للتعاون مع المقرر الخاص أو السماح بزيارات مستقلة للتحقق من الأوضاع داخل البلاد.
من هنا، يمكن فهم السبب الحقيقي وراء استمرار الضغوط الدولية، رغم الجهود الدبلوماسية التي بذلتها أسمرة. فالقضية لم تعد مرتبطة بتقارير سنوية عابرة أو بمواقف سياسية آنية، بل أصبحت مرتبطة بسؤال جوهري يتعلق بالمساءلة والعدالة وحقوق المواطنين الإريتريين أنفسهم.
تكتسب هذه التطورات أهمية مضاعفة لأنها تأتي بعد مرور عشر سنوات على تقرير لجنة التحقيق التابعة للأمم المتحدة الذي خلص إلى وجود أسس معقولة للاعتقاد بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في إريتريا. لكن خلال هذا العقد، لم تنجح السلطات الإريترية في تبديد المخاوف الدولية أو تقديم إصلاحات جوهرية تسمح بإغلاق هذا الملف. بل على العكس، ظلت معظم القضايا التي أثارتها اللجنة قائمة دون أي معالجة فعلية.
لذلك، لا يمكن النظر إلى المواجهة التي شهدتها جنيف باعتبارها انتصاراً دبلوماسياً لأي طرف. لكنها كشفت، بوضوح، أن النظام الإريتري ما زال عاجزاً عن إقناع المجتمع الدولي بأن ملف حقوق الإنسان أصبح جزءاً من الماضي. كما أكدت أن الرهان على الخطاب السيادي وحده لم يعد كافياً في عالم باتت فيه قضايا الحقوق جزءاً أصيلاً من العلاقات الدولية.
الأكثر أهمية أن الجلسة كشفت تحولاً في طبيعة النقاش الدولي حول إريتريا. فبعد سنوات من التركيز على توثيق الانتهاكات ورصدها، بدأ الحديث يتجه بصورة متزايدة نحو المساءلة وعدم الإفلات من العقاب. وهذا التحول ليس مجرد تغيير في اللهجة، بل يحمل دلالات سياسية وقانونية عميقة، لأنه يعكس قناعة متنامية لدى العديد من الدول والمنظمات الحقوقية بأن استمرار الوضع القائم لم يعد مقبولاً، وأن معالجة الأزمة تتطلب أكثر من مجرد توصيات وتقارير دورية.
لم تنجح السلطات الإريترية في تبديد المخاوف الدولية أو تقديم إصلاحات جوهرية تسمح بإغلاق هذا الملف. بل على العكس، ظلت معظم القضايا التي أثارتها اللجنة قائمة دون أي معالجة فعلية
لقد ظلت أسمرة، لعقود، تراهن على عامل الوقت، وعلى قدرتها في إدارة المواجهة مع المؤسسات الدولية من خلال الرفض والتشكيك والمماطلة. إلا أن جلسة جنيف الأخيرة أظهرت أن هذا النهج لم ينجح في إقناع العالم، كما لم ينجح في إزالة الأسباب التي أبقت ملف حقوق الإنسان الإريتري حاضراً على أجندة الأمم المتحدة عاماً بعد عام.
إن المواجهة التي شهدتها جنيف لم تُغيّر شيئاً في جوهر الأزمة الإريترية. فما زال النظام يكرر خطاب السيادة والمؤامرة، وما زال المجتمع الدولي يكرر بيانات القلق والدعوات إلى الإصلاح، بينما يبقى المواطن الإريتري هو الطرف الوحيد الذي يدفع ثمن هذا الجمود المستمر.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الزمن وحده لا يحل الأزمات، وأن تجاهل الانتهاكات لا يؤدي إلى اختفائها. وبعد عقد كامل على تقرير لجنة التحقيق الأممية، لم يعد السؤال المطروح هو ما إذا كانت الانتهاكات مستمرة، بل إلى متى سيظل العالم يكتفي بتوثيقها دون اتخاذ خطوات كفيلة بوقفها.
في جنيف، دافعت صوفيا تسفاماريام عن النظام الإريتري بكل ما تملكه الدبلوماسية من أدوات، ودافع محمد عبد السلام بابكر عن الضحايا بكل ما تتيحه له آليات الأمم المتحدة من صلاحيات. لكن الحقيقة التي برزت بوضوح هي أن العدالة ما زالت غائبة، وأن ملف حقوق الإنسان في إريتريا لم يعد مجرد قضية أممية، بل أصبح اختباراً لمصداقية النظام الدولي نفسه.
لهذا، فإن السؤال الذي خرجت به من جلسة جنيف لا يتعلق بما قالته السفيرة أو بما كتبه المقرر الخاص، بل بما إذا كان المجتمع الدولي مستعداً أخيراً للانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة معالجتها. فالتاريخ لا يتذكر عدد التقارير التي كُتبت، بل يتذكر ما إذا كانت تلك التقارير قد غيّرت مصير البشر الذين كُتبت من أجلهم. وسوم


Comments