إضاءة: سَدَنةُ الذّاكرةِ وسُعاةُ الوفاء
- tvawna1
- 2 days ago
- 4 min read
بقلم الاستاذ: أبو يزن ياسين
08/07/2026
إلى الأخوين العزيزين: الدكتور إدريس جميل، والأستاذ محمود إيلوس، وإلى كلّ السواعدِ والقرائحِ التي أسهمتْ في إخراجِ هذا السِّفْرِ القَيِّم..

بقلوبٍ يملؤها الاعتزاز، ومآقٍ تفيضُ بدموعِ الفرحِ الممتزجِ بالامتنانِ لما خطّتْهُ بَنَانُكُم، وشَرُفَتْ بهِ أقلامُكُم، نتلقّى بابتهاجٍ غامرٍ هذا الإصدارَ التاريخيَّ الفارق: "مِنْ رُوّادِ التّعليمِ في إرِتريا: الشّيخُ إدريس سعد الله"
إنّ ما أنجزتموهُ اليومَ ليسَ مُجرّدَ كتابٍ يُضافُ إلى رُفوفِ المكتبات، أو حِبْرٍ يُسطَّرُ على ورق؛ بل هو فِعْلُ إنقاذٍ تاريخيٍّ واعٍ لذاكرةٍ وطنيةٍ كادتْ عواصفُ النّسيانِ أنْ تَطمِسَ معالمَها. هو إشعاعُ نورٍ شَقَّ عَتمةَ طريقٍ كادَ الإهمالُ أنْ يَغمُرَهُ. إنّهُ الجِسْرُ المعرفيُّ المتينُ الذي يَربِطُ وِجدانَ أجيالِنا الحاضرةِ بمستقبلِها، ويَصِلُها بنضالاتِ رجالٍ عِظامٍ ساروا في أصقاعِ الأرضِ بصمتِ الواثقين، وأعطَوْا للوطنِ والإنسانِ بلا حُدود، ومَضَوْا ولم يَبتغُوا مِنَ الدُّنيا جزاءً ولا شُكُوراً
مرارةُ المَنفى وفلسفةُ الوفاء
لقد لامَسْتُم مَوْطِنَ الشَّجَنِ وأصبتم كبد الحقيقة حينَ قُلتُم إنّكم تكتُبونَ وتحتفلونَ في "الغُربة". وكيفَ لا تَنْكَاُ هذهِ المُفارقةُ جِراحَ المنافي فينا، ونحنُ نَرى قامةً شامخةً كالشّيخِ إدريس سعد الله — الذي كانَ مَعْلَماً للعِلم، ومدرسةً في التّواضع، ونَبْعاً دافِقاً بالهُوِيّةِ والانتماء — يُحتَفى بهِ ويُوثَّقُ تاريخُهُ بعيداً عن ثَرى الوَطَنِ الذي أحبّهُ وأفنى العُمرَ في سبيلِه؟
غيرَ أنّ أعظمَ ما في هذا المُنجَزِ هو أنسنةُ الغُربةِ ذاتِها؛ كيفَ تحوّلَ الشّتاتُ في أيديكُم إلى وَقودٍ للوفاء، وكيفَ استحالَ البُعدُ الجُغرافيُّ دافعاً وجوديّاً لتوثيقِ الحقائقِ التي تكالبتْ عليها الأيّامُ والسّياساتُ لتَغييبِها. لقد جعلتُم مِنَ الكتابةِ ملاذاً أخيراً للهُوِيّة، ومِنَ التّوثيقِ خَطَّ الدّفاعِ الأوّلِ في معركةِ البقاءِ ضِدَّ التّلاشي.
الشّيخُ إدريس سعد الله: هندسةُ الوعيِ وبناءُ الإنسان
لقد كانَ الشّيخُ إدريس سعد الله — رحمهُ اللهُ رحمةً واسعة — ظاهرةً معرفيّةً وإنسانيّةً فريدة. رجلٌ زاوجَ بعبقريّةٍ بينَ عُمقِ التّبحُّرِ العِلميِّ ورَحابةِ الرُّوحِ الإنسانيّة؛ فحازَ حِكمةَ الشّيوخِ بزُهْدِ العارفين، واشتغلَ بالشّأنِ العامِّ الكبيرِ دونَ أنْ تَصرِفَهُ الكُلّيّاتُ عنْ أدقِّ تفاصيلِ هندسةِ الوعيِ الفرديّ.
لم يكُنِ الشّيخُ مُجرّدَ مُلقِّنٍ للدُّروس، بل كانَ بحقٍّ «مُهندِساً للوعيِ الإرِتريّ». غرسَ في وِجدانِ أجيالٍ مُتعاقبةٍ بُذورَ التّفكيرِ النّقديِّ الذي يُفكِّكُ ولا يُسلِّم، وقِيَمَ الانتماءِ الحضاريِّ الأصيلِ الذي يَعملُ في صمتٍ ولا يُزايدُ بالشِّعارات. رسّخَ عقيدةً تربويّةً مفادُها: أنّ التّحرُّرَ الحقيقيَّ والانعتاقَ الشّاملَ يبدأُ مِنْ تحريرِ العقلِ وتنويرِ الفِكرِ قبلَ تشييدِ البُنيانِ ورَصِّ الحَجَر.
ورغمَ سياجِ العراقيلِ والمُثبِّطات، ومُحاولاتِ الحِصارِ والتّهميشِ المُمنهجِ التي استهدفتْ ثَنْيَهُ عَنْ رسالتِه، ظلَّ صوتُهُ التّربويُّ ممتدّاً عبرَ الأجيال؛ صوتاً هادئاً لكنّهُ عابرٌ للأزمنة. وها أنتُم اليوم، بهذا السِّفْرِ المُبارك، تُعيدونَ لهُ وللأجيالِ حقّاً تاريخيّاً مسلوباً: الحقَّ في روايةٍ نزيهة، والاعترافَ بصُنّاعِ المجدِ الحقيقيّين، بعيداً عنْ ضَجيجِ البروباغندا الرّسميّةِ التي تحتكرُ الحقيقةَ وتُشوّهُ سِيَرَ العُظماء.
الكتابةُ: الفريضةُ الغائبةُ وسلاحُ المقاومةِ النّاعمة
إنّ هذا المُصنَّفَ الذي بينَ أيدينا ليسَ "حُروفاً أُولى" كما وصفتموهُ بتواضعِ العلماء؛ بل هو وثبةٌ معرفيّةٌ شُجاعةٌ كسرتُم بها جدارَ الصّمتِ السّميك، واخترقتُم بها الأطواقَ المنهجيّةَ والنّفسيّةَ التي فُرِضَتْ لمَنْعِ سَرْدِ الرّوايةِ الإرِتريّةِ مِنْ مَنظورِ أصحابِها الشّرعيّين.
لقد برهنتُم بالدّليلِ العمليِّ القاطعِ أنّ الكتابةَ في زمنِ التّزييفِ المُمنهجِ ليستْ تَرَفاً نخبويّاً؛ بل هي فريضةٌ وطنيّةٌ وأداةُ مقاومةٍ حضاريّةٍ لا غِنى عنها. إنّها السّلاحُ الأمضى لمواجهةِ مشاريعِ طَمْسِ الهُوِيّة، وتفكيكِ السّرديّاتِ الهجينةِ والمُستوردةِ التي جَثَمَتْ على وعيِنا الجمعيِّ لعُقود.
وإنّ إقرارَكُم الواعيَ بوُعورةِ الدّرب، وأنّ هذا العملَ هو "فاتحةُ الطّريقِ" لا خاتمتُهُ، لهوَ البُرهانُ الأصدقُ على نُضجِ أدواتِكُم المنهجيّةِ وعُمقِ استيعابِكُم لجَسامةِ الأمانةِ التّاريخيّةِ التي تَصدّيتُم لحَمْلِها.
نداءُ السَّغَبِ المعرفيّ: استنهاضٌ للقرائحِ لا استجداءٌ للأقلام
مِنْ على شُرفةِ هذا الإنجازِ التّأسيسيّ، نُطلقُها صيحةً مُدوّيةً ونَستنهضُ بها هِمَمَ كلِّ مَنْ أُوتيَ نصيباً مِنَ العِلم، وامتلكَ ناصيةَ البيان، واستقرَّ في وِجدانِهِ نبضٌ مِنْ حُبِّ الحقيقة:
احذُوا حَذْوَ هذهِ الثُّلّةِ المُباركة.. لا تترُكوا الذّاكرةَ الوطنيّةَ الإرِتريّةَ نَهْباً لقُطّاعِ طُرُقِ التّاريخ. لا تَسمحُوا لقطارِ السّنينَ الجارفِ بأنْ يَطويَ ما تبقّى مِنْ شهاداتٍ حيّةٍ ووثائقَ دامغةٍ وحقائقَ ساطعة.
إنّ المكتبةَ الإرِتريّة، في الدّاخلِ والمَهْجَر، تُعاني اليومَ مِنْ سَغَبٍ معرفيٍّ حادّ. هي في أمَسِّ الحاجةِ إلى أعمالٍ رصينةٍ تُعنى بالعُمقِ النّوعيِّ والصّرامةِ المنهجيّة، لا بالتّراكُمِ الكَمّيِّ والاستسهالِ الإنشائيّ. نحنُ بحاجةٍ إلى مُدوّناتٍ تُشخِّصُ مسيراتِ الرُّوّادِ الصّادقينَ الذينَ عَمِلوا في الظِّلّ، وتُفكِّكُ مُنعطفاتِ الأحداثِ الكُبرى بعقلانيّةٍ باردة، وتَمنحُ الأجيالَ القادمةَ إرثاً معرفيّاً نقيّاً مُعافىً مِنْ فيروساتِ التّضليلِ والابتذالِ السّياسيّ.
لا تَضِنُّوا بمِدادِكُم، ولا تَبخلوا بشهاداتِكُم، ولا تَدفِنوا وثائقَكُم. إنّ ما تُسطِّرونَهُ اليومَ على الورقِ هو الزّادُ المعرفيُّ الوحيدُ الذي سيُمكِّنُ أبناءَ إرِتريا — في منافيهِم القَسريّةِ ومَهاجِرِهم الاختياريّة — مِنْ فَهْمِ ماضيهِم المُركّبِ بلا تشويه، واستيعابِ حاضرِهِم المُعقّدِ بلا تزوير، وصِناعةِ مُستقبلِهِم المأمولِ بوعيٍ حُرٍّ وإرادةٍ مُستقلّة. فالتّوثيقُ ليسَ هواية؛ إنّهُ فِعلُ مقاومة، والكتابةُ ليستْ حنيناً؛ إنّها شَكلٌ راقٍ مِنْ أشكالِ العودة.
مِنَ المحلّيّةِ إلى العالميّة: كَسْرُ احتكارِ الرّواية
واستكمالاً لهذا المشروعِ الاستراتيجيّ، باتَ واجباً مرحليّاً مُلِحّاً السّعيُ الحثيثُ لترجمةِ هذهِ الأعمالِ التّأسيسيّةِ إلى اللّغاتِ العالميّةِ الحيّة. إنّ أجيالَنا النّاشئةَ في المَهاجرِ الغربيّةِ قدِ انقطعَ حَبلُها السُّرّيُّ معَ اللّغةِ الأُمّ، وهي بحاجةٍ ماسّةٍ لأنْ تقرأَ سِيَرَ رُموزِها باللّغاتِ التي تُتقِنُها. كما أنّ الضّميرَ العالميَّ، الأكاديميَّ والحقوقيَّ، يجبُ أنْ يعرفَ أنّ لإرِتريا روايةً أُخرى غيرَ الرّوايةِ الرّسميّةِ الأُحاديّة؛ روايةٌ صَنَعَها رجالٌ شَقُّوا بالعِلمِ والمعرفةِ دُروبَ الكرامةِ الإنسانيّة، وصاغوا بالوعيِ والتّربيةِ ملاحمَ الصُّمود، رُغمَ كلِّ سياساتِ الإقصاءِ والنّسيانِ والتّهميشِ المُمنهج.
خاتمةُ الوفاء
شُكراً لكُم مِنْ سُوَيْداءِ القُلوب.. شُكراً بحجمِ الوَطَن. شُكراً لأنّكُم أَعَدتُم للشّيخِ إدريس سعد الله بعضاً مِنْ حقّهِ التّاريخيِّ المَهضوم، وأَعَدتُم للتّاريخِ الإرِتريِّ وجهَهُ الإنسانيَّ المُشرِقَ بعدَ أنْ شوّهتْهُ أيديولوجيا السُّلطة، وأَعَدتُم لنا — نحنُ أبناءَ الشّتات — مَلامِحَ مِنْ هُوِيّتِنا التي كادتِ المنافي أنْ تَسرِقَها.
إنّ ما قدّمتُموهُ سيظلُّ مَنارةً شامخةً يَهتدي بها الباحثونَ عنِ الحقيقةِ في ليلِ التّزييفِ الطّويل. وسيبقى ذِكْرُ الشّيخِ إدريس حيّاً نابضاً بالعطاءِ في كلِّ صفحةٍ خُطَّتْ بمِدادِ الصِّدق، ومعَ كلِّ جيلٍ يقرأُ فيعرفُ فيفخرُ، ثمَّ يَنهضُ ليُكمِلَ المسيرة.
بورِكَتِ الأقلامُ التي آمنتْ أنّ الحِبْرَ أقوى مِنَ النّسيان. ودامَ العطاءُ المُؤسّسيُّ على طريقِ الحقيقةِ الكُبرى. فالدّربُ ما يزالُ طويلاً وشاقّاً، لكنَّ ميلادَ الوعيِ التّاريخيِّ قدْ بدأ، وصوتَ الذّاكرةِ قدْ عاد، واللهُ غالبٌ على أمرِه، وهوَ وليُّ التّوفيقِ والسّداد.
بقلم: أبو يزن ياسين




Comments