top of page

إريتريا.. أرض الهجرة الأولى ومفترق الحضارات بين البحر والجبال

  • tvawna1
  • Jan 5
  • 3 min read

04/01/2026

من بين بقاع إفريقيا التي شهدت تقاطع التاريخ الإنساني وتفاعل الحضارات عبر العصور، تبرز إريتريا كصفحة زاخرة بالتحولات، أرض شهدت أول هجرة في الإسلام، ومهد لتلاقي العرب والكوشيين والسبئيين، وجسر عبرت عليه حضارات الجزيرة العربية إلى وادي النيل، فموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر جعلها في قلب الصراع بين القوى الإقليمية والإمبراطوريات الكبرى، فكانت شاهدة على تتابع النفوذ من أكسوم إلى العباسيين،

ومن العثمانيين إلى الإيطاليين ثم البريطانيين، حتى استقلت بعد نضال طويل، ويعتقد أن أصل اسم إريتريا يعود إلى البحارة اليونانيين الذين أطلقوا في القرن الثالث قبل الميلاد تسمية (إريتريا) على البحر الأحمر، نسبة إلى لونه الذي تسبغه الطحالب والشعاب المرجانية، ثم أحيا الإيطاليون هذا الاسم في أواخر القرن التاسع عشر عندما أعلن الملك همبرت الأول ضم الساحل الغربي للبحر الأحمر إلى بلاده، ليولد كيان جديد سمي إريتريا، كما أن تاريخ هذه البلاد يبدأ من ممالك قديمة شكلت الجذر الأول للحضارة في القرن الإفريقي، فقد استقرت فيها قبائل كوشية جاءت من الجزيرة العربية منذ آلاف السنين، ثم تداخلت مع مهاجرين سبئيين ويمنيين جلبوا معهم الزراعة واللغة، فانبثقت عن هذا التمازج مملكة أكسوم التي أصبحت بين القرنين الأول والثامن الميلاديين قوة إقليمية مزدهرة، وفي عهد الملك “عيزانا” بلغت أكسوم ذروة مجدها، واعتنق ملكها المسيحية وجعلها ديانة رسمية، لتكون من أوائل الممالك المسيحية في إفريقيا، ومع سقوط أكسوم في القرن الثامن الميلادي بسبب الهجرات الحامية لقبائل البجة من وادي النيل، دخلت المنطقة مرحلة تفكك سياسي، لكنها أصبحت أكثر انفتاحا على المؤثرات الخارجية، وخاصة العربية والإسلامية، ومن هنا بدأت إريتريا صفحة جديدة مع الإسلام، وكانت الهجرة الأولى إلى الحبشة في السنة الخامسة من البعثة النبوية أول خيط يربط هذه الأرض بالعالم الإسلامي، وحينما رست سفينتا المهاجرين قرب ميناء معدر في الساحل الإريتري، بدأت علاقة روحية وثقافية عميقة بين الضفتين، ولاحقا، في عهد الدولة الأموية، استخدمت جزر دهلك كمراكز بحرية، لتتحول إلى قاعدة لانتشار الإسلام والتجارة عبر البحر الأحمر، ومع مرور القرون، أصبحت مدن مثل مصوع وزولا بوابات لعبور الدعاة والتجار إلى الداخل الإفريقي، وفي ظل ضعف الخلافة العباسية، لجأت إلى هذه الأرض جماعات من آل البيت وأنصارهم هربا من الاضطهاد، فأسسوا مجتمعات صغيرة حملت معها قيم الإسلام وتعاليمه، وتعمق وجود الإسلام مع انتشار قبائل البجة في السهول والجبال، ومعها تحولت إريتريا إلى أحد معاقل الإسلام في شرق إفريقيا، وفي القرون التالية، ازدهرت العلاقات التجارية والثقافية بين الساحل الإريتري والعالم العربي، فكانت السفن القادمة من جدة وعدن تنقل البضائع والكتب والعلماء، وتعود محملة بالذهب والعاج والجلود، كما ساهمت الطرق الصوفية، خاصة الطريقة الختمية بزعامة السيد محمد عثمان الميرغني، في نشر الإسلام وتعميق الروابط الروحية بين الحجاز والساحل الإريتري في القرن التاسع عشر، لكن التحولات السياسية الكبرى لم تترك هذه البلاد بمعزل عن صراعات القوى الكبرى، فبعد أن خضعت إريتريا للحكم العثماني كولاية تابعة للحجاز، تنازل العثمانيون عنها لمصر في عهد الخديوي إسماعيل، ثم ما لبثت أن سقطت في أيدي الإيطاليين عام 1890م، لتصبح أول مستعمرة إيطالية في إفريقيا، ومسرحا لتجاربهم الإمبريالية، وباسم إريتريا رسم الإيطاليون حدودها الحديثة، وبدأت مرحلة جديدة من الاستعمار العسكري والثقافي، وفي الحرب العالمية الثانية، هزمت إيطاليا، ودخلت القوات البريطانية أسمرا في سنة 1941، لتبدأ فترة جديدة تحت الانتداب البريطاني، وكانت تلك السنوات حاسمة في تشكل الوعي السياسي الإريتري، إذ سمحت السلطات البريطانية بحرية التنظيم، فظهرت الحركات الوطنية والأحزاب السياسية التي حملت مطالب الاستقلال، مثل الرابطة الإسلامية التي قادها السيد محمد الميرغني وإبراهيم سلطان علي، في مواجهة الأحزاب الموالية لإثيوبيا التي طالبت بالاتحاد معها، وفي المقابل، سعت بريطانيا إلى تقسيم البلاد بين السودان وإثيوبيا، وفق مشروع لونجرج، مستندة إلى الفوارق الدينية والإثنية، لكنها اصطدمت بمعارضة قوية من القوى الوطنية التي رفعت شعار وحدة التراب الإريتري، وكان هذا الوعي المبكر نواة لفكرة الاستقلال الكامل، رغم كل محاولات الضم التي قادتها الإمبراطورية الإثيوبية، وبعد الحرب، أحيلت قضية إريتريا إلى الأمم المتحدة عام 1948، ضمن ملفات تصفية المستعمرات الإيطالية السابقة، وهناك تباينت المواقف بين من دعا إلى استقلالها الفوري، ومن طالب بضمها إلى إثيوبيا، ومن اقترح حلا وسطا يقضي بإقامة اتحاد فدرالي بينهما، وفي عام 1952، أقرت الأمم المتحدة هذا الاتحاد رسميا، لكنه لم يدم طويلا؛ إذ ألغاه الإمبراطور هيلا سيلاسي عام 1962، وضم إريتريا قسرا إلى إثيوبيا، لتدخل البلاد في أطول حروب التحرر الإفريقية التي استمرت ثلاثين عاما، وانتهت بإعلان الاستقلال رسميا عام 1993، وهكذا، فإن إريتريا لم تكن مجرد ساحة لصراع الجغرافيا، بل معبرا دائما للهجرات والأديان والتجارات، ومن أرض استقبلت أول مهاجرين في الإسلام، إلى ساحة نضال طويلة ضد الاستعمار، كانت دائما ملتقى الشرق بالغرب، والبحر بالصحراء، والماضي بالحاضر، واليوم، رغم تحدياتها السياسية والاقتصادية، تبقى إريتريا رمزا لتاريخ طويل من الصمود في وجه التبعية، وجسرا ثقافيا وإنسانيا يربط الجزيرة العربية بعمقها الإفريقي. المصدر >>>>>

 
 
 

Comments


bottom of page