مراجعة الضرورة... هل بات التقارب الأميركي- الإريتري واقعا؟
- tvawna1
- 21 hours ago
- 5 min read
مراقبون يشيرون إلى سعي واشنطن لإعادة إدماج أسمرة ضمن ديناميات الأمن

والسلم بالمنطقة في ظل الأوضاع الملتهبة
محمود أبو بكر كاتب صحفي، مختص في قضايا البحر الأحمر ودول حوض النيل
الجمعة 19 يونيو 2026

ملخص
تضمن تقرير "الإيكونوميست"، إلى جانب المعلومات المتعلقة بمراجعة العلاقات الأميركية - الإريترية، انتقادات لاذعة للنظام الإريتري لجهة الملفات المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان، مشيراً إلى أن كثيراً من الشباب ما زالوا يفرون من البلاد نتيجة التجنيد القسري، بمن فيهم لاعبو المنتخب الإريتري لكرة القدم، كذا تضمن التقرير مزاعم بارتكاب الجيش الإريتري انتهاكات واسعة أثناء فترة الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي في الفترة من 2020 وحتى 2022.
نقلت صحيفة "الإيكونوميست" البريطانية عن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو تصريحات قال فيها إن "مرحلة جديدة في العلاقات الأميركية – الإريترية بدأت بالفعل"، وذلك تأكيداً لتقارير صحافية أميركية سابقة حول إمكان رفع العقوبات عن أسمرة، ودخول العلاقات فصلاً جديداً من التعاون في إطار التداعيات الناتجة من حرب إيران وتأمين المضايق البحرية وبخاصة في منطقة البحر الأحمر.
ويشير كثير من التكهنات إلى أن العقوبات المفروضة على البلاد سترفع قريباً، وأن واشنطن تجري مراجعات عميقة في سياساتها تجاه أسمرة، بخاصة في ظل الأوضاع الإقليمية التي يشهدها حوض البحر الأحمر.
وتضمن تقرير "الإيكونوميست"، إلى جانب المعلومات المتعلقة بمراجعة العلاقات الأميركية - الإريترية، انتقادات لاذعة للنظام الإريتري لجهة الملفات المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الانسان، مشيراً إلى أن كثيراً من الشباب ما زالوا يفرون من البلاد نتيجة التجنيد القسري، بمن فيهم لاعبو المنتخب الإريتري لكرة القدم، كذا تضمن التقرير مزاعم بارتكاب الجيش الإريتري انتهاكات واسعة أثناء فترة الحرب في إقليم تيغراي الإثيوبي في الفترة من 2020 وحتى 2022.
أسمرة تعلق
من جهته رد وزير الإعلام الإريتري يماني قبري مسقل، على بعض المعلومات الواردة في تقرير الصحيفة الأميركية، معتبراً أن المقال تضمن ما وصفه بـ"نهج استعلائي وعقلية متعالية تقوم على افتراضات مسبقة وتصوير مشوه ومضلل للوقائع والتطورات الجارية على الأرض"، وتابع "بدلاً من التزام المعايير المهنية التي يفترض أن تحكم العمل الصحافي، اختار المقال تقديم صورة مشوهة عن شعب وأمة ذات تاريخ طويل من الصمود والتضحيات والسيادة الوطنية"، مضيفاً "لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل بلغ حدّ وصف الرفع المرتقب للعقوبات غير المبررة بأنه حوافز أو مغريات تُمنح للحكومة الإريترية، في طرح يكشف بوضوح عن عمق التحيز الكامن في الخطاب الإعلامي السائد".

وأوضح الوزير في مقال نشره على صفحته الرسمية بموقع "إكس"، أن "أزمة التغطية الإعلامية غير المسؤولة لم تعد تقتصر على مؤسسة إعلامية بعينها أو على مقالات متفرقة، بل أصبحت ظاهرة متجذرة في كثير من المنصات الإعلامية الغربية التي كثيراً ما قدمت نفسها بوصفها منابر للموضوعية والحياد والنزاهة، قبل أن تتخلى تدريجاً عن هذه المبادئ لصالح أجندات مالية وجيوسياسية أوسع"، وأضاف "في ظل هذا الواقع، باتت الحاجة ملحة أمام دول الجنوب العالمي، ولا سيما الدول التي تتعرض بشكل ممنهج لحملات التشويه والاستهداف، إلى الاستثمار في قدراتها الإعلامية الذاتية وتعزيز شبكاتها الداخلية وبناء منصات مستقلة قادرة على تصحيح الروايات المغلوطة، والدفاع عن حق شعوبها في تقديم سرديتها الحقيقية إلى العالم بعيداً من الوصاية الإعلامية والاحتكار السردي".
وأقر قبري مسقل بأن "امتلاك أدوات إنتاج المعرفة وصناعة السردية لم يعد خياراً، بل أصبح ضرورة استراتيجية لحماية السيادة الوطنية وصون الحقائق ومواجهة حملات التضليل المتكررة"، مشدداً على أن قوات الدفاع الإريترية تعد "نموذجاً يُحتذى في الانضباط والأخلاقيات المهنية والوطنية، وهي قيم متجذرة في إرث نضالي عريق شكّل أحد أبرز أعمدة بناء الدولة الإريترية الحديثة".
مراجعة الضرورة
التصريح الذي نقلته "الإيكونوميست" على لسان وزير الخارجية الأميركي، أكدت التكهنات التي ظلت تروج خلال الأشهر الماضية، من دون تأكيد رسمي، حول التوجه الأميركي الجديد نحو أسمرة، مما يعزز إمكان رفع العقوبات الأميركية المفروضة على الدولة التي تعاني العزلة في القرن الأفريقي، في حين يمتد ساحلها البحري لنحو 1200 كيلومتر في جنوب البحر الأحمر وعلى مداخل مضيق باب المندب.
يرى مراقبون أن المراجعات التي تجريها واشنطن تجاه علاقاتها مع أسمرة، بما في ذلك رفع العقوبات، يتصل بتداعيات الحرب الأخيرة في إيران وتضاعف أهمية المضايق البحرية، وبخاصة مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 14 في المئة من حجم التجارة العالمية.
اقرأ المزيد
ويشير هؤلاء إلى أن التوجه الأميركي يتضمن "محفزات" من بينها رفع العقوبات في سبيل إعادة إدماج إريتريا ضمن ديناميات الأمن والسلم في هذه المنطقة الاستراتيجية بالنسبة إلى المصالح الغربية، فكيف ستتعاطى القيادة الإريترية مع هذه التطورات؟ وكيف يمكن قراءتها في السياق الإقليمي المضطرب في منطقة القرن الأفريقي ودول حوض البحر الأحمر، بخاصة في ظل المساعي الإثيوبية للحصول على منافذ سيادية على البحر؟
يرى المتخصص في شؤون منطقة القرن الأفريقي عبدالرحمن سيد أن ثمة مؤشرات أولية على توجه أميركي نحو إعادة تقييم العلاقة مع إريتريا، لكن من المبكر الجزم بأن الطرفين دخلا بالفعل مرحلة جديدة ومستقرة، فالسياسة الأميركية تجاه إريتريا ظلت تاريخياً محكومة باعتبارات استراتيجية وأمنية إلى جانب ملفات الديمقراطية وحقوق الإنسان، ويوضح "يبدو أن التطورات الجيوسياسية في منطقة البحر الأحمر، وما تشهده من تحديات أمنية متزايدة، دفعت واشنطن إلى مراجعة مقاربتها تجاه عدد من دول المنطقة، بما فيها إريتريا. ومن المرجح أن تركز الولايات المتحدة خلال المرحلة المقبلة على القضايا المرتبطة بأمن الملاحة الدولية والاستقرار الإقليمي، مع استمرار إثارة ملفات الحكم وحقوق الإنسان ضمن الحوار السياسي بين الجانبين".
توازن القيم والمصالح
من غير المتوقع أن تتخلى الولايات المتحدة بالكامل عن إثارة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، لأن هذه الملفات تظل جزءاً ثابتاً من خطابها السياسي والدبلوماسي، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن واشنطن غالباً ما توازن بين اعتبارات القيم والمصالح الاستراتيجية.
بناء على ذلك، يرى سيد أن واشنطن قد تسعى إلى تطوير العلاقة مع أسمرة انطلاقاً من المصالح الأمنية والإقليمية المشتركة، مع الإبقاء على ملفات حقوق الإنسان والإصلاح السياسي ضمن أجندة الحوار، من دون أن تجعلها بالضرورة شرطاً مسبقاً لأي انفتاح دبلوماسي أو سياسي.
ويرجح المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أنه إذا شهدت العلاقات الإريترية - الأميركية تقدماً ملموساً، أن ينعكس ذلك على مجمل الترتيبات الأمنية والسياسية في منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مشيراً إلى أن واشنطن قد تدعم جهوداً إقليمية تهدف إلى تعزيز أمن الملاحة البحرية والتنسيق بين الدول المطلة على البحر الأحمر لمواجهة التحديات الأمنية المشتركة.

كان خطاب الرئيس الإريتري أسياس أفورقي في عيد الاستقلال في الـ24 من مايو (أيار) الماضي، تضمن انتقادات علنية للسياسات الأميركية تجاه المنطقة، وفي ذلك يقول سيد "لا ينبغي النظر إلى التصريحات السياسية باعتبارها العامل الوحيد المحدد لمسار العلاقات بين الدول، إذ غالباً ما تتحكم المصالح الاستراتيجية والاعتبارات الجيوسياسية في طبيعة العلاقات الدولية".
من هذا المنطلق، وفق سيد، قد تستمر فرص التقارب بين واشنطن وأسمرة إذا وجدت الدولتان أن هناك مصالح مشتركة تستدعي ذلك، وفي المقابل تدرك القيادة الإريترية أن تحسين العلاقات مع الولايات المتحدة يمكن أن يسهم في تخفيف العزلة الدبلوماسية وتوسيع هامش الحركة السياسية والاقتصادية لإريتريا، وهو ما قد يدفع الطرفين إلى تبني مقاربة أكثر براغماتية خلال الفترة المقبلة.
وفي ما يخص مساعي إثيوبيا للحصول على منفذ بحري، يرى المتخصص في شؤون القرن الأفريقي أن من المستبعد أن تؤيد الولايات المتحدة أية خطوات أحادية يمكن أن تهدد استقرار المنطقة أو سيادة الدول القائمة، منوهاً بأن المرجح أن تشجع واشنطن الحلول التفاوضية والتفاهمات الإقليمية التي تراعي مصالح جميع الأطراف وتحافظ على الأمن والاستقرار الإقليميين.
الخروج من العزلة
من جهته يرى المتخصص في العلاقات الدولية محمد السيد علي أن الهدف الرئيس كما يشير عنوان مقال "الإيكونوميست"، يتمثل في إخراج إريتريا من العزلة الدولية نحو التفاعل مع تحديات المنطقة المهمة للمصالح الاستراتيجية للولايات المتحدة الأميركية، وبخاصة التحديات الأمنية والجيوسياسية في البحر الأحمر.
ويقول إن القاهرة تؤدي دوراً محورياً في هذا الاتجاه، بخاصة في ملف التقارب الإريتري - الأميركي، لما تتمتع به من قبول لدى الطرفين، مضيفاً أن تقرير الصحيفة البريطانية الأخير، الذي تضمن تصريحاً من وزير الخارجية الأميركية، تزامن مع زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الإريتري للعاصمة المصرية.
ونوه المتخصص في العلاقات الدولية بأن القاهرة وأسمرة تنسقان بصورة ملحوظة في ديناميات الأمن والسلم في البحر الأحمر باعتبارهما دولتين مطلتين على الجهة الغربية للبحر الأحمر، وتتأثران بشكل مباشر بالمخططات المتعلقة بإعادة ترسيم الحدود البحرية، مشيراً إلى أن المساعي الإثيوبية في الأصل جزء من استراتيجية إقليمية تهدف إلى تغيير محددات الملاحة الدولية عبر هذا الممر المائي الاستراتيجي.
وأكد أن كلاً من أسمرة والقاهرة تريان أن حفظ أمن واستقرار البحر الأحمر يعد مسؤولية حصرية للدول المتشاطئة، وإعادة ترسيم هذه الحدود يتناقض مع مبادئ القانون الدولي وميثاقي الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، مختتماً بالقول إن الولايات المتحدة أضحت تولي أهمية قصوى للمضايق البحرية، لا سيما بعد أزمة مضيق هرمز، ومن ثم فإن تجاوبها مع مساعي القاهرة للانفتاح نحو أسمرة يأتي في إطار تحقيق المصالح المشتركة للدول الثلاث، اتساقاً مع مبادئ القانون الدولي والمعاهدات الدولية الخاصة بتأمين الممرات المائية. المصدر>>>>>




Comments