top of page

مخاض ميكيلي الصعب: الانهيار السياسي لاتفاق السلام ونُذر المواجهة الشاملة

  • tvawna1
  • 1 day ago
  • 8 min read

حسان الناصر 10 مايو, 2026

تشهد الساحة الإثيوبية في مايو/آيار الجاري فصلا هو الأخطر منذ نهاية الحرب، حيث دخل اتفاق "بريتوريا" للسلام مرحلة "الموت السريري"، إثر قرار اللجنة المركزية لجبهة تحرير شعب تيغراي (TPLF) إعادة إحياء المجلس التشريعي الإقليمي الذي كان قائماً قبل عام 2020؛ المجلس الذي تعتبره الحكومة الفيدرالية غير دستوري، وكان شرارة الحرب الأولى.

نتج عن هذه الخطوة تعيين رئيس الجبهة "دبرصيون جبريميكائيل" رئيسا للإقليم في تحد مباشر لسلطة أديس أبابا، مما خلق حالة من "الازدواجية الإدارية" الصادمة في ميكيلي بين حكومة مؤقتة يمدد لها آبي أحمد، وحكومة موازية يقودها الجناح المتشدد في الجبهة، وهو ما يعد إعلانا صريحا عن انهيار الهيكل السياسي الذي تأسس في بريتوريا.

أدى هذا الانهيار التنظيمي إلى تصاعد حدة الخطاب العدائي، حيث بررت الجبهة تحركها بتقاعس الحكومة المركزية عن استعادة الأراضي المتنازع عليها (غربتيغراي)، وفشلها في توفير الميزانيات والخدمات، معتبرة أن "الشرعية السيادية" للإقليم تعلو على أي اتفاقيات انتقالية. في المقابل، وصفت الإدارة المؤقتة المعينة من المركز هذه الخطوة بأنها "استيلاء غير قانوني"، ومغامرة قد تجر المنطقة إلى كارثة إنسانية وعسكرية جديدة، خاصة مع رصد تحليقات جوية استطلاعية فوق ميكيلي، مما يعكس وصول التوتر إلى نقطة اللاعودة التي تجعل من العودة للمربع الأول -مربع الصدام الشامل- احتمالا مرجحا أكثر من أي وقت مضى.

تصدّع الهيكل السياسي لاتفاق بريتوريا

أنتج هذا التأزم الداخلي تقاطعات إقليمية خطيرة، حيث تزامن "انقلاب ميكيلي" على اتفاق السلام مع اتهامات إثيوبية رسمية للسودان بدعم "مرتزقة من تيغراي"، هذا التداخل بين انهيار اتفاق بريتوريا وتدهور العلاقات مع الجيران يحول أزمة تيغراي من ملف "عدالة انتقالية" متعثر إلى تهديد وجودي للأمن الإقليمي في القرن الأفريقي، ما يجعل من شهر مايو/ آيار لحظة فارقة قد تعيد رسم موازين القوى في المنطقة بالدم لا بالدبلوماسية.

تتمحور الأزمة تاريخيا حول دور الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF))، بعد إطاحة الجبهة بنظام "الدرغ" العسكري عام 1991، هيمنت على التحالف الحاكم (الجبهة الديمقراطية الثورية للشعب الإثيوبي) لما يقارب 27 عاماً. خلال هذه الفترة، صاغت الجبهة دستورا يعتمد على "الفيدرالية الإثنية"، وهو نظام يمنح القوميات الكبرى حكما ذاتيا، لكنه في الوقت ذاته أدى إلى تنامي الاحتقان لدى قوميات أخرى (مثل الأورومو والأمهرة) التي شعرت بالتهميش السياسي والاقتصادي.

عام 2018، اندلعت احتجاجات واسعة أدت إلى وصول آبي أحمد (من قومية الأورومو) إلى سدة الحكم، حيث بدأ مشروعا سياسيا لدمج أحزاب الائتلاف في "حزب الازدهار"، وهو ما رفضته جبهة تيغراي معتبرة إياه محاولة لتقويض النظام الفيدرالي، وتركيز السلطة في يد المركز (أديس أبابا).

بدأ المسار نحو الصدام الفعلي عندما قررت الحكومة الفيدرالية تأجيل الانتخابات العامة عام 2020، متعللة بظروف جائحة كورونا، ما اعتبرته جبهة شعب تيغراي مناورة سياسية لتمديد ولاية رئيس الوزراء آبي أحمد، وتجاوز الشرعية الدستورية. ردت الجبهة بإجراء انتخابات إقليمية منفردة في تحدٍ صارخ للسلطة المركزية، مما دفع البرلمان الإثيوبي لإعلان عدم قانونية حكومة الإقليم، وقطع التمويل الفيدرالي عنها، الأمر الذي حوّل الخلاف من تنافس سياسي إلى قطيعة دستورية كاملة، جعلت المواجهة العسكرية مسألة وقت فقط.

التداخل بين انهيار اتفاق بريتوريا وتدهور العلاقات مع الجيران يحول أزمة تيغراي من ملف "عدالة انتقالية" متعثر إلى تهديد وجودي للأمن الإقليمي في القرن الأفريقي

نتج عن هذه القطيعة حالة من الاستنفار الأمني المتبادل، حيث شعرت الجبهة بالخطر الوجودي، ما أدى في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2020 إلى الهجوم على مقر القيادة الشمالية للجيش الفيدرالي في "ميكيلي". كان ذلك بمثابة نقطة التحول التي منحت الحكومة المركزية الذريعة الأخلاقية والقانونية لشن "عملية إنفاذ القانون"، حيث تحرك الجيش الإثيوبي مدعوما بميليشيات الأمهرة والقوات الإريترية لاجتياح الإقليم، لتنتقل الأزمة من أروقة السياسة إلى ساحات المعارك المفتوحة التي دمرت البنية التحتية، وخلقت أزمة إنسانية مروعة.

أدى السقوط السريع للمدن الرئيسية في تيغراي بيد القوات الفيدرالية إلى انسحاب مقاتلي الجبهة نحو المرتفعات الجبلية لتبني استراتيجية حرب العصابات، وهو ما استنزف القوات الحكومية والإريترية على مدار شهور. استنزاف مكن الجبهة من شن هجوم مضاد كاسح صيف عام 2021، استعادت فيه ميكيلي وأسرت آلاف الجنود، مما غير موازين القوى تماماً، ودفع الجبهة للزحف جنوباً نحو العاصمة أديس أبابا، وهو ما وضع الدولة الإثيوبية أمام تهديد وجودي، استوجب إعلان حالة الطوارئ العامة وتعبئة وطنية شاملة.

تسبب هذا التصعيد العسكري المتبادل والوصول إلى حالة من الجمود الميداني بالقرب من العاصمة في إدراك الطرفين لاستحالة الحسم العسكري الكامل دون تفكك الدولة، خاصة مع الضغوط الدولية والعقوبات الاقتصادية الخانقة. هذا الواقع الجديد مهد الطريق لمفاوضات عسيرة تحت رعاية الاتحاد الأفريقي، توجت بتوقيع اتفاق "بريتوريا" للسلام في نوفمبر/تشرين الأول 2022. لم يكن هذا الاتفاق مجرد وقف للنار، بل كان اعترافا بضرورة العودة للمسار السياسي، حيث نص على نزع سلاح الجبهة مقابل الاعتراف بشرعية الإدارة المؤقتة، لتبدأ مرحلة جديدة من محاولات ترميم النسيج الوطني، ومعالجة آثار العنف الجماعي الذي خلفته الحرب.

من الفيدرالية الإثنية إلى "عملية إنفاذ القانون"

جاء اتفاق "بريتوريا" للسلام بمثابة طوق نجاة للدولة الإثيوبية، بعد عامين من الدمار الشامل، حيث نص على وقف دائم للأعمال العدائية، ونزع سلاح جبهة شعب تغراي مقابل شطبها من قوائم الإرهاب، وإعادة بسط سيطرة الحكومة الفيدرالية على الإقليم. وقد نتج عن هذا الاتفاق توقف فوري لآلات القتال، وعودة جزئية للخدمات الأساسية، مثل الاتصالات والمصارف، مما أعطى بصيص أمل لملايين المدنيين الذين عانوا من الحصار، لكنه في الوقت ذاته وضع أسس صراع من نوع جديد حول "التفاصيل" التي تم تأجيلها في بريتوريا لضمان التوقيع.

تجلت الأزمة الكبرى في تنفيذ الاتفاق عند الاصطدام بملف المناطق المتنازع عليها، وتحديداً "غرب تيغراي" (ولقايت)، التي تسيطر عليها قوات إقليم الأمهرة، وترفض الانسحاب منها، معتبرة إياها أراضي تاريخية لها. هذا الانسداد أدى إلى مأزق سياسي حاد؛ فبينما تطالب الجبهة بتطبيق حرفي للاتفاق يضمن عودة حدود الإقليم لما قبل الحرب، تجد الحكومة الفيدرالية نفسها في مواجهة مع حلفائها السابقين من "الأمهرة" الذين شعروا بالخيانة من قبل آبي أحمد، مما أدى لاندلاع تمرد جديد في إقليم الأمهرة (ميليشيا فانو)، وهو ما جعل اتفاق السلام في تيغراي سبباً غير مباشر في اشتعال جبهة أخرى.

أدى هذا التوتر إلى تقارب مفاجئ ومضاد بين مقديشو وأسمرة والقاهرة، ما حول أزمة تيغراي - التي كانت شأنا داخليا- إلى وقود لصراع إقليمي أوسع، يضع إثيوبيا في عزلة ديبلوماسية جديدة أمام جيرانها الطامحين لحماية أمنهم البحري

علاوة على ذلك، واجه الاتفاق أزمة "العدالة الانتقالية" والوجود الإريتري، حيث استمرت التقارير التي تشير إلى بقاء قوات إريترية في بعض المناطق الحدودية، وممارستها لانتهاكات بعيدا عن سلطة أديس أبابا، مما أحرج الحكومة الفيدرالية أمام المجتمع الدولي. أدى هذا التعثر في إخراج القوات الأجنبية، وحسم ملف الحدود الإدارية إلى حالة من "السلم الهش"، حيث يسود الهدوء الجبهات. لكن بذور الصراع ما زالت كامنة في الأرض، مما جعل اتفاق بريتوريا يبدو وكأنه أوقف نزيف الدماء في تيغراي، لكنه نقل التوتر إلى المركز والمناطق المجاورة، تاركا إثيوبيا في حالة من الترقب المشوب بالحذر تجاه استدامة هذا الاستقرار.

لغز الأراضي المتنازع عليها والوجود الإريتري

يعود الدور الإريتري في أزمة تيغراي إلى جذور تاريخية عميقة، تضرب في صراعات الهوية والحدود والسيادة التي تشكلت منذ استقلال إريتريا عن إثيوبيا. فبعد سنوات من الكفاح المشترك بين "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" و"الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا" لإسقاط نظام "الدرغ" العسكري، تحول التحالف إلى عداء مرير، اندلعت بسببه حرب حدودية طاحنة بين عامي 1998 و2000 حول منطقة "بادمي". نتج عن ذلك قطيعة دامت عقدين من الزمن، اتسمت بظروف "لا سلم ولا حرب"، حيث اعتبر الرئيس الإريتري أسياس أفورقي جبهة تيغراي عدوا وجوديا، تسبب في عزل بلاده دوليا وإضعافها اقتصادياً، مما جعل تصفية الحساب معها هدفا استراتيجيا للنظام في أسمرة.

تغير المشهد بشكل دراماتيكي عام 2018 مع صعود آبي أحمد للسلطة، وتوقيعه اتفاق سلام تاريخي مع إريتريا، وهو الاتفاق الذي همش جبهة تيغراي، وجعلها تشعر بالحصار بين فكي كماشة من الشمال والجنوب. مع اندلاع الشرارة العسكرية في نوفمبر/تشرين الأول 2020، وجدت إريتريا فرصتها التاريخية للتدخل المباشر، حيث عبرت قواتها الحدود للمشاركة في "عملية إنفاذ القانون" بجانب الجيش الإثيوبي. أدى هذا التدخل إلى قلب موازين القوة في البداية لصالح أديس أبابا، لكنه أضفى على النزاع طابعا إقليميا دمويا، حيث اتُهمت القوات الإريترية بارتكاب انتهاكات واسعة، واستهداف مخيمات اللاجئين، مما حول التدخل من "دعم فني" إلى تورط عسكري كامل أثار حفيظة المجتمع الدولي.

خلق الدور الإريتري تعقيدا بنيويا في مسار الأزمة، حيث أصبح الوجود العسكري لأسمرة داخل الأراضي الإثيوبية ورقة ضغط وقلق في آن واحد؛ فمن جهة، استنزفت القوات الإريترية قدرات جبهة تيغراي، ومن جهة أخرى، أصبح انسحابها مطلباً أساسياً في اتفاق "بريتوريا" للسلام. هذا الوضع أدى إلى نشوء أزمة ثقة بين الحلفاء السابقين (آبي وأفورقي) بعد توقيع الاتفاق، حيث ترى إريتريا أن بقاء الجبهة - حتى كقوة سياسية- يمثل تهديداً لها، بينما تسعى إثيوبيا لاستعادة سيادتها الكاملة، وتجنب العقوبات الدولية. هذا التوتر الصامت حول "الدور الإريتري" ما بعد الحرب، يشكل اليوم أحد أكبر العوائق أمام الاستقرار الدائم، حيث تظل القوات الإريترية متمركزة في مناطق حدودية، مما يبقي فتيل الصراع قابلاً للاشتعال في أي لحظة.

الموانئ والحدود كصواعق لتفجير القرن الأفريقي

يرتبط صراع تيغراي بطموحات آبي أحمد الجيوسياسية للوصول إلى البحر الأحمر ارتباطا عضويا، حيث تحول التحالف العسكري الوثيق مع إريتريا من أداة لسحق الجبهة إلى عقبة أمام رؤية آبي أحمد "للعظمة الإثيوبية". فبعد توقيع اتفاق "بريتوريا" للسلام، بدأت أديس أبابا تشعر بأن نظام أسمرة لم يعد حليفا بقدر ما أصبح قيدا، يمنع إثيوبيا من ممارسة دورها كقوة إقليمية مهيمنة، خاصة وأنها تمتلك السواحل والموانئ التي تفتقر إليها إثيوبيا الحبيسة. نتج عن هذا الشعور تحول فيالخطابالرسميالإثيوبي نحو المطالبة بـ "حق تاريخي وطبيعي" في الوصول إلى الموانئ، وهو ما اعتبرته إريتريا تهديدا لسيادتها، مما أدى إلى جمود العلاقات بين الطرفين، وبداية تصدع المحلف الذي قاد حرب تيغراي.

التوتر الصامت حول "الدور الإريتري" ما بعد الحرب، يشكل اليوم أحد أكبر العوائق أمام الاستقرار الدائم، حيث تظل القوات الإريترية متمركزة في مناطق حدودية، مما يبقي فتيل الصراع قابلاً للاشتعال في أي لحظة

أدى هذا الطموح البحري إلى دفع آبي أحمد نحو البحث عن بدائل بعيدا عن الهيمنة الإريترية، وهو ما تجلى في توقيع "مذكرة تفاهم" مثيرة للجدل مع إقليم صوماليلاند مطلع عام 2024، للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية. تحرك لم يستفز الصومال فحسب، بل أثار ريبة إريتريا التي رأت فيه محاولة لتطويقها، وبناء قوة بحرية قد تهدد نفوذها في البحر الأحمر. أدى هذا التوتر إلى تقارب مفاجئ ومضاد بين مقديشو وأسمرة والقاهرة، ما حول أزمة تيغراي - التي كانت شأنا داخليا- إلى وقود لصراع إقليمي أوسع، يضع إثيوبيا في عزلة ديبلوماسية جديدة أمام جيرانها الطامحين لحماية أمنهم البحري.

انعكس هذا الخلاف بشكل مباشر على استقرار المناطق الشمالية في إثيوبيا، حيث باتت أسمرة تنظر إلى استدامة السلام في تيغراي كتهديد لأمنها القومي، وبدأت تمارس نفوذها عبر دعم مجموعات مسلحة معارضة لآبي أحمد في الداخل الإثيوبي. وقد نتج عن ذلك تداخل خطير بين أزمة الموانئ وأمن إقليمي تيغراي والأمهره، حيث يخشى المراقبون أن يؤدي طموح الوصول إلى البحر إلى إشعال مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا، مما يعيد المنطقة إلى مربع العنف الأول، ويهدد بانهيار المكتسبات الهشة لاتفاق بريتوريا. هذا الترابط يجعل من مسألة "الميناء" ليس مجرد ضرورة اقتصادية لإثيوبيا، بل صاعق تفجير قد يعيد رسم خارطة التحالفات في القرن الأفريقي على أسس من العداء الوجودي.

السودان وتدويل أزمة تيغراي

تتشابك أزمة إقليم تيغراي مع الملفات السودانية في تعقيد جيوسياسي فريد، حيث تحولت الحدود المشتركة من مساحة للتعاون إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية، لا سيما في منطقة "الفشقة" وبسبب الحرب الحالية في السودان. بمجرد اندلاع حرب تيغراي استغلت القوات المسلحة السودانية انشغال الجيش الإثيوبي وميليشيات "الأمهره" بالقتال في الشمال، لتقوم بإعادة الانتشار في منطقة "الفشقة" الحدودية، واستعادة السيطرة عليها بعد عقود من الاستيطان الزراعي الإثيوبي المحمي بالميليشيات. هذا التحرك السوداني، الذي اعتبرته الخرطوم استرداداً لأراضٍ سيادية، رأت فيه أديس أبابا "طعنة في الظهر" واستغلالاً لظرفها الصعب، مما أدى إلى انهيار التفاهمات التاريخية حول المنطقة الحدودية، وحوّلها إلى بؤرة توتر عسكري دائمة بين الجيشين السوداني والإثيوبي.

نتج عن هذا التوتر في الفشقة تحول في استراتيجية إثيوبيا تجاه الداخل السوداني، خاصة بعد اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع في أبريل/نيسان 2023. ومع تصاعد حدة الصراع، بدأت الاتهامات تلاحق أديس أبابا بتقديم دعم عسكري ولوجستي لقوات الدعم السريع، شمل -وفق تقارير ميدانية- استخدام قواعد جوية، مثل "بحر دار" لإطلاق طائرات مسيرة استهدفت مواقع استراتيجية في السودان. هذا الدعم لم يكن مجرد انحياز لطرف ضد آخر، بل كان رداً استراتيجياً، يهدف لإضعاف الجيش السوداني الذي يسيطر على الفشقة، وتأمين حليف (الدعم السريع) قد يكون أكثر مرونة في ملفات الحدود وسد النهضة.

تخلص هذه القراءة للمشهد الإثيوبي إلى أن أزمة تيغراي لم تكن مجرد نزاع حدودي أو خلاف على توزيع السلطة، بل تعبيرا عن أزمة هوية بنيوية تضرب جذورها في قلب الدولة الإثيوبية المعاصرة، حيث تصطدم طموحات المركزية القومية مع إرث الفيدرالية الإثنية المتجذر. وقد نتج عن ذلك تحول إقليم تيغراي من مركز ثقل سياسي وتاريخي إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية الكبرى، حيث تداخلت دماء الضحايا مع مطامع الموانئ، والنزاعات الحدودية في الفشقة، وتجاذبات مياه النيل، مما جعل الحل الداخلي رهينة لتوازنات قوى خارجية، تتجاوز حدود ميكيلي وأديس أبابا، وتضع مستقبل القرن الأفريقي برمته على فوهة بركان دائم الانفجار.

أدى هذا التشابك المعقد إلى جعل اتفاق "بريتوريا" للسلام، في ظل التطورات الدراماتيكية لعام 2026، وكأنه مجرد "هدنة تقنية" لالتقاط الأنفاس أكثر منه مشروعا حقيقيا للمصالحة الوطنية، إذ اصطدمت نصوصه القانونية بصخور الواقع الميداني الذي يرفض التنازل عن المكتسبات الإقليمية. ومع ظهور الحكومات الموازية، وعودة الوجوه الرافضة للمركز إلى صدارة المشهد، تبددت أوهام الاستقرار السريع، وبرزت ملامح "دولة منقسمة على ذاتها" تبحث عن شرعيتها في تحالفات متغيرة وخطابات تصادمية، مما أنتج حالة من اللايقين السياسي تجعل من الصعب التنبؤ بما إذا كانت إثيوبيا ستتمكن من الحفاظ على وحدتها الترابية أم أنها تتجه نحو إعادة تعريف جذري لكيانها السياسي.

تظل أزمة تيغراي درساً قاسياً في كيفية تحول الفشل في إدارة التعددية السياسية والاجتماعية إلى كارثة إنسانية وجيوسياسية عابرة للحدود، حيث أثبتت السنوات الماضية أن السلاح قد ينهي المعارك، لكنه لا يحسم الصراعات التاريخية. إن أي مخرج حقيقي من هذا النفق المظلم يتطلب تجاوز منطق الغلبة العسكرية والاعتراف بالحقوق التاريخية والمظالم التنموية لكل المكونات، وإلا فإن المنطقة ستظل أسيرة لدورات العنف المتكررة التي تغذيها أزمات الموانئ والحدود والتمثيلات السياسية، ليظل القرن الأفريقي ساحة مفتوحة لرهانات القوى الدولية والإقليمية على حساب استقرار شعوبه وتنميتها. وسوم إثيوبياتيغرايجبهة تحرير تيغراياتفاق بريتوريا مواضيع ذات صلة ..>>>>

Comments


bottom of page