top of page

ماذا نحن فاعلون بعد سقوط النظام؟

tvawna1
19 minutes ago
3 min read

بقلم الاستاذ / علي محمد صالح شوم

لندن- 25 /10/ 2026

من انتظار التغيير إلى الاستعداد لبناء الدولة

إن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس فقط: متى يسقط النظام؟ بل الأهم من ذلك: ماذا نحن فاعلون عندما يسقط؟ وكيف نضمن ألا تتحول نهاية النظام إلى بداية أزمة جديدة، وألا يجد شعبنا نفسه أمام فراغ سياسي ومؤسسي يعيد إنتاج المأساة في صور أخرى؟

إن التغيير، مهما طال انتظاره، ليس غاية في حد ذاته؛ وإنما هو بداية الطريق نحو بناء دولة تقوم على الحرية والعدالة وسيادة القانون، وتصون كرامة الإنسان وحقوقه، وتستوعب التنوع السياسي والثقافي والاجتماعي لشعبنا. فإسقاط النظام، أو انتهاء سلطته، لا يعني بالضرورة سقوط البنية التي أنتجت الاستبداد، ما لم تصاحبه رؤية واضحة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها وعلاقتها بالمجتمع. ونحن نمر اليوم بمرحلة تتسم بالتعقيد وعدم اليقين، فإن المسؤولية السياسية والتاريخية تقتضي منا الانتقال من ردود الأفعال إلى التفكير الاستراتيجي، ومن الاكتفاء بتشخيص الأزمة إلى الاستعداد العملي لما بعدها. فليس من الحكمة أن ننتظر لحظة التغيير حتى نبدأ البحث عن إجابات لأسئلة كان ينبغي أن نناقشها منذ وقت مبكر. إن ما بعد سقوط النظام يبدأ العمل من أجله قبل سقوطه. ومن هنا، فإن النقاش المطلوب ينبغي أن ينطلق من عدد من الأسئلة الجوهرية، مثل ما طبيعة الدولة التي نريد بناءها؟ هل نملك تصوراً مشتركاً لدولة ديمقراطية تقوم على المواطنة المتساوية، والتعددية، والفصل بين السلطات، واستقلال القضاء، واحترام الحقوق والحريات؟ كيف ندير المرحلة الانتقالية؟ ما المبادئ التي ينبغي أن تحكمها، وكيف نضمن مشاركة مختلف القوى السياسية والمجتمعية، ومنع احتكار السلطة أو إعادة إنتاج الاستبداد تحت مسميات جديدة؟ كيف نتعامل مع مؤسسات الدولة؟ ما الذي ينبغي الحفاظ عليه، وما الذي يحتاج إلى إصلاح جذري، وكيف نضمن استمرارية الخدمات العامة وحماية مؤسسات الدولة من الانهيار أو التسيس؟ كيف نبني توافقاً وطنياً؟ كيف نتجاوز الخلافات التنظيمية والشخصية، ونضع أسساً مشتركة لإدارة التنوع، ومعالجة المظالم، وتحقيق المصالحة الوطنية، وضمان عدم الإفلات من المسؤولية عن الانتهاكات وفق القانون؟ ماذا ينبغي أن نفعل منذ الآن؟ هل نمتلك برامج عملية، وأوراقاً سياسية، وكفاءات وطنية، وقنوات للحوار والتنسيق، وخطة واضحة للأيام والأسابيع والأشهر الأولى من المرحلة الانتقالية؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب عملاً منظماً يبدأ قبل التغيير، من خلال بناء حد أدنى من التوافق الوطني حول المبادئ الدستورية، وأولويات المرحلة الانتقالية، وضمانات الحقوق والحريات، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع. كما تتطلب تجاوز منطق الانتظار والتعويل على تطورات الأحداث وحدها، والانتقال إلى إعداد تصورات قابلة للنقاش والتطوير، وتشكيل فرق عمل متخصصة في القضايا الدستورية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، بما يجعل القوى الوطنية مستعدة للتعامل مع مختلف الاحتمالات بمسؤولية ووعي. ولعل أخطر ما يمكن أن نواجه ليس فقط تأخر التغيير، بل أن يأتي التغيير ونحن غير مستعدين له، فتتقدم الخلافات على التوافقات، والمصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، والصراع على السلطة على حساب الاتفاق على أسس الدولة. إن اللحظة التاريخية لا تختبر قدرتنا على معارضة النظام فحسب، بل تختبر أيضاً قدرتنا على الاتفاق على البديل. فالنجاح لا يقاس بمجرد انتهاء مرحلة سياسية، وإنما بقدرتنا على تأسيس مرحلة جديدة لا تعيد إنتاج أسباب الأزمة، ولا تستبدل استبداداً بآخر، ولا تجعل من التغيير فرصة لتصفية الحسابات. وعليه، فإن دعوتنا اليوم هي إلى فتح نقاش جاد ومسؤول حول الاستعداد لمرحلة ما بعد النظام، وتحديد ما يمكن إنجازه قبل التغيير، وما يجب الاتفاق عليه منذ الآن، وما ينبغي أن يكون جاهزاً للتنفيذ عند بدء المرحلة الانتقالية. فالتاريخ لا يمنح الشعوب فرصاً مفتوحة بلا نهاية، ولحظات التحول الكبرى تحتاج إلى رؤية تتجاوز الحاضر، وإلى إرادة سياسية تتقدم على الخلافات، وإلى استعداد عملي يربط بين آمال الشعب ومتطلبات بناء الدولة. السؤال إذن ليس ماذا سنفعل بعد سقوط النظام فحسب، بل ماذا نفعل اليوم حتى يكون الغد مختلفاً؟ وحتى لا يكون الحديث عاما فإننا خمس مسارات أساسية تتمثل في :- التوافق السياسي تحديد المبادئ الوطنية المشتركة التي لا يجوز أن تكون موضع مساومة. تصور المرحلة الانتقالية والاتفاق على أهدافها، ومدتها ومؤسساتها وضمانات عدم احتكار السلطة. برنامج المئة يوم الأولى وذلك من اجل إعداد أولويات عاجلة لحماية المواطنين، واستمرار الخدمات، واستعادة الثقة بالمؤسسات. بناء الدولة والمصالحة الوطنية وإصلاح المؤسسات، ومعالجة المظالم، وضمان الحقوق والحريات وسيادة القانون. الاستعداد من الآن لتشكيل فرق عمل، وإعداد أوراق متخصصة، وفتح حوار واسع بين القوى السياسية والمجتمعية والكفاءات الوطنية. والفكرة المركزية التي أقترح أن ينطلق منها الاجتماع هي، لا يكفي أن نتفق على ضرورة التغيير؛ بل ينبغي أن نبدأ الاتفاق على كيفية إدارة نتائجه، وعلى الدولة التي نريدها، وعلى الضمانات التي تمنع انحراف المرحلة الجديدة عن أهدافها. وبهذا ينتقل النقاش من سؤال الانتظار إلى سؤال المسؤولية، ومن التطلع إلى نهاية النظام إلى الاستعداد لبداية وطن جديد.

علي محمد صالح شوم

لندن- 25 /10/ 2026

Comments


bottom of page