top of page

كيف تهدد هشاشة اتفاق بريتوريا بإعادة إشعال شمال إثيوبيا؟

  • tvawna1
  • 9 minutes ago
  • 6 min read

13 أغسطس, 2026

خالد محمد طه

في شمال غرب إثيوبيا، لا تبدو الحرب التي انتهت باتفاق بريتوريا قد انتهت فعلا. لقد خمدت البنادق، لكن جذور الصراع بقيت في الأرض، والحدود المتنازع عليها ظلت مفتوحة، بينما تراكمت فوقها خلافات جديدة بين أديس أبابا وقيادة تيغراي، وبين إثيوبيا وإرتريا، وعلى امتداد الحدود مع السودان.

الآن تتحرك الحمم من جديد. خلال الأيام الأخيرة، اندلعت اشتباكات في غرب تيغراي بين القوات الفيدرالية الإثيوبية وقوات تيغراي، في أخطر اختبار لاتفاق السلام الموقع في نوفمبر/تشرين الثاني 2022. وتبادلت الأطراف الاتهامات بشأن مسؤولية بدء القتال، فيما رُصدت تحركات عسكرية وتشديد للإجراءات الأمنية في محيط مدينة حُمرا ومداخلها، بالتزامن مع توتر في مناطق قريبة من شيرارو. لكن أهمية ما يجري لا تكمن في الاشتباك ذاته فقط، بل في المكان الذي يحدث فيه، منطقة تقع عند نقطة التقاء ثلاثة حدود وثلاثة صراعات، وتفتح مباشرة على السودان وإرتريا.

شيرارو.. الشرارة في المكان الخطأ

كان اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 كافيا لإيقاف الحرب، لكنه لم يكن كافيا لتفكيك أسبابها. فالحرب التي اندلعت في تيغراي عام 2020 خلفت واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في أفريقيا، وانتهت رسميا باتفاق وقف الأعمال العدائية. غير أن ملفات جوهرية بقيت معلقة شملت مصير الأراضي المتنازع عليها، وعودة النازحين، وترتيبات القوات التابعة لتيغراي، والعلاقة بين الحكومة الفيدرالية والإقليم، ووجود القوات الإرترية في أجزاء من تيغراي. في غرب الإقليم، ظل ملف الأراضي، خصوصا المناطق المتنازع عليها في مقاطعة وألغايت القريبة من الحدود مع السودان، من أكثر القضايا قابلية للانفجار.

مع بداية عام 2026، ظهرت مؤشرات مبكرة على هشاشة الترتيبات الأمنية. ففي يناير/كانون الثاني اندلعت مواجهات بين القوات الفيدرالية وقوات تيغراي في منطقة تسيلميتي، قبل أن تنسحب قوات تيغراي، في تطور كشف أن خطوط التماس لم تختف، وأن السلام ظل قائما فوق تسوية غير مكتملة.

الاشتباكات الأخيرة في محيط شيرارو تأتي في لحظة لا تحتمل فيها المنطقة مزيدا من التصعيد. فمنطقة غرب تيغراي ليست مجرد ساحة لصراع إثيوبي داخلي. إنها فضاء حدودي شديد الحساسية، تتقاطع فيه الحدود السودانية والإرترية مع خطوط النزاع الإثيوبية الداخلية.

في الأول من أغسطس/آب الجاري، أفادت تقارير باندلاع القتال في غرب تيغراي، وسط روايات متضاربة بشأن الجهة التي بدأت المواجهات. ومع تصاعد التوتر، تشددت الإجراءات الأمنية في المنطقة، فيما بدأت حركة المدنيين باتجاه الحدود السودانية.

كان اتفاق بريتوريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2022 كافيا لإيقاف الحرب، لكنه لم يكن كافيا لتفكيك أسبابها

الجديد أن هذه الجولة، إن اتسعت، لن تبدأ من فراغ. القوى التي خاضت الحرب السابقة ما تزال موجودة، والشبكات السياسية والعسكرية التي تشكلت خلالها لم تختفِ، وقضية الأراضي لم تُحسم، وترتيبات نزع السلاح وإعادة بناء الثقة لم تصل إلى نهايتها. لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط حول من بدأ إطلاق النار؟ بل الأهم هو: هل يستطيع اتفاق بريتوريا الصمود أمام منظومة الصراع التي لم تُفكك؟

حُمرا.. المدينة الواقعة على خط النار

في حٌمرا، تتقاطع الجغرافيا مع الأمن والسياسة. فالمدينة تقع في شمال غرب إثيوبيا بالقرب من الحدود السودانية، وعلى واحد من أهم الممرات التي تربط العمق الإثيوبي بالحدود، في منطقة تتداخل فيها التجارة وحركة السكان والتهريب والصراعات المسلحة. وتزداد أهمية حُمرا بسبب موقعها على الضفة الغربية لنهر تكزي/ستيت، في منطقة تمثل عقدة جغرافية بين إثيوبيا والسودان وإرتريا. وخلال الأيام الأخيرة، أفادت تقارير بتعزيز القوات الإثيوبية إجراءاتها الأمنية في مداخل المدينة، وإقامة نقاط تفتيش وفرض قيود على الحركة.

لكن القضية تتجاوز حماية مدينة حدودية، فالسيطرة على غرب تيغراي تعني النفوذ على ممر استراتيجي يتصل مباشرة بالحدود السودانية، ويقع في منطقة تتقاطع فيها حسابات الحرب الإثيوبية مع الحرب السودانية والمصالح الإرترية. ومن هنا يبرز السؤال الأكبر هل ما يحدث مجرد جولة محلية محدودة، أم بداية لإعادة رسم الخريطة العسكرية في مثلث إثيوبيا وإرتريا والسودان؟

السودان.. حين تصبح الحدود امتداداً للحرب

بالنسبة إلى السودان، لا يمكن التعامل مع التصعيد في شمال إثيوبيا بوصفه أزمة خارجية. فمنذ اندلاع الحرب السودانية في أبريل/نيسان 2023، تحولت الحدود الشرقية إلى منطقة أمنية وإنسانية شديدة الهشاشة. فقد استقبل السودان موجات متتالية من النازحين واللاجئين، بينما تحولت المناطق الحدودية إلى فضاء تختلط فيه حركة المدنيين بحركة السلاح والتهريب والمقاتلين.

مع تجدد القتال في تيغراي، بدأت الحدود السودانية تستعيد وظيفتها القديمة كممر للفرار. فقد فر مدنيون من تيغراي إلى السودان عقب أعمال العنف الأخيرة، فيما أعربت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين عن قلقها من التصعيد على الحدود. كما تحدثت تقارير عن انفجارات وقصف بالقرب من مناطق تستضيف لاجئين، وسط غياب أرقام موثوقة للضحايا في ذلك الوقت.

من هنا يبرز السؤال الأكبر هل ما يحدث مجرد جولة محلية محدودة، أم بداية لإعادة رسم الخريطة العسكرية في مثلث إثيوبيا وإرتريا والسودان

المشكلة أن السودان نفسه يخوض حرباً مفتوحة، ولا يمتلك هامشاً إنسانياً وأمنياً كافياً لامتصاص موجة نزوح جديدة. ووفق بيانات المفوضية، كانت إثيوبيا تستضيف حتى مايو/آيار 2026 أكثر من 1.12 مليون لاجئ وطالب لجوء، إلى جانب نحو 1.92 مليون نازح داخلياً، فيما يظل تيغراي من أكثر الأقاليم تأثرا بالنزوح؛ فأي حرب جديدة ستندلع فوق مجتمع لم يتعافَ بعد من الحرب السابقة.

إرتريا.. اللاعب الذي لا يمكن تجاهله

لا يمكن فهم ما يجري في تيغراي من دون وضع إرتريا في قلب المشهد. فأسمرا شاركت عسكريا إلى جانب القوات الإثيوبية خلال حرب تيغراي السابقة، لكن العلاقة بين إرتريا وإثيوبيا دخلت لاحقا مرحلة جديدة من التوتر. وفي فبراير/شباط 2026، حذرت مجموعة الأزمات الدولية من تصاعد التوتر بين إثيوبيا وإريتريا وتيغراي، معتبرة أن المنطقة أصبحت قابلة للانزلاق إلى صراع جديد. وتزامن ذلك مع تقارير عن تحركات عسكرية على الحدود الإثيوبية/الإرترية، واتهامات بوجود قوات إرترية في مناطق حدودية داخل تيغراي، وهي اتهامات ظلت موضع روايات متباينة.

لكن الخلاف الإثيوبي- الإرتري يتجاوز تيغراي. هناك البحر الأحمر وإثيوبيا، الدولة الحبيسة منذ استقلال إرتريا، تطرح بصورة متزايدة حاجتها إلى منفذ بحري، بينما تنظر أسمرا بحساسية شديدة إلى أي تحرك إثيوبي يمكن أن يمس أمنها أو سيادتها الساحلية. وهكذا لم تعد تيغراي مجرد قضية داخلية إثيوبية؛ فقد أصبحت نقطة تماس بين صراعات البر ومصالح البحر.

من حرب تيغراي إلى صراع إقليمي

الخطر الحقيقي ليس في عدد القذائف التي أطلقت خلال الأيام الأخيرة، وإنما في عدد اللاعبين الذين يمكن أن يدخلوا المعادلة إذا اتسع القتال، تيغراي ليست وحدها. تشكيلات أمهرا لديها حساباتها الخاصة، وإرتريا تراقب حدودها ومصالحها، وإثيوبيا تحاول حماية مصالحها الأمنية والجيوسياسية، بينما يعيش السودان حرباً مفتوحة على الجانب الآخر من الحدود.

فوق ذلك كله، تتحرك قوى إقليمية ودولية داخل فضاء البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث تتقاطع التجارة والطاقة والأمن والموانئ والنفوذ. لهذا حذرت تحليلات إقليمية من أن تجدد الحرب في شمال إثيوبيا قد يتحول إلى ساحة إضافية في صراع أوسع على النفوذ في القرن الإفريقي والبحر الأحمر. وفي يوليو، حاول رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد تبديد المخاوف بشأن احتمال تشكل اصطفاف يضم السودان وإرتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، مؤكداً أن هذه الأطراف لا تمثل تهديداً لسيادة إثيوبيا. لكن مجرد ظهور هذا الاحتمال في الخطاب السياسي الإثيوبي يكشف حجم القلق من إعادة تشكيل التحالفات حول الحدود.

السودان في قلب المعادلة

بالنسبة إلى الخرطوم، ستكون عودة الحرب إلى شمال إثيوبيا تطورا بالغ الخطورة. السودان لا يحتاج إلى حرب أخرى على حدوده، فالحدود الشرقية تشهد أصلا نشاطا عسكريا، وحركة للتهريب والسلاح والمقاتلين، فيما أفرزت الحرب السودانية اقتصادا حدودياً جديداً تتداخل فيه التجارة غير الرسمية وحركة اللاجئين والشبكات المسلحة. وفي ولايات القضارف وكسلا والنيل الأزرق، تستضيف المجتمعات المحلية أعدادا كبيرة من المتأثرين بالحرب، ما يجعل أي موجة نزوح جديدة من إثيوبيا عبئا إضافيا على بيئة إنسانية مستنزفة.

الخطر الحقيقي ليس في عدد القذائف التي أطلقت خلال الأيام الأخيرة، وإنما في عدد اللاعبين الذين يمكن أن يدخلوا المعادلة إذا اتسع القتال، تيغراي ليست وحدها

الأخطر أن حركة السكان قد لا تكون في اتجاه واحد، فإذا اتسعت العمليات العسكرية، يمكن أن تتحول الحدود إلى ممر مزدوج للنزوح والحركة العسكرية، بحيث يصبح السودان متلقيا لتداعيات الحرب وممرا محتملاً لها في الوقت نفسه، فالحدود هنا ليست خطاً على الخريطة إنها مساحة اجتماعية واقتصادية وأمنية مفتوحة.

الخوف الأكبر هو أن يعيد القتال إنتاج المشهد الذي عاشه سكان تيغراي بين 2020 و2022. فالمنطقة لم تتعافَ. النازحون لم يعودوا جميعاً إلى مناطقهم، وملفات إعادة الإعمار والمصالحة والحماية ما تزال هشة، فيما لا تزال آثار الحرب السابقة حاضرة في حياة السكان. وفي حال اتسع القتال، لن تكون الأزمة مجرد نقص في الغذاء والمأوى. ستظهر أسئلة أكثر خطورة مثل كيف يؤمَّن عبور المدنيين؟ كيف تصل المساعدات؟ كيف تُحمى مخيمات اللاجئين؟ ماذا يحدث للأسر التي ستتفرق على جانبي الحدود؟ وهل يستطيع السودان استقبال موجة جديدة من الفارين بينما يعاني أصلاً من إحدى أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم؟.أي تصعيد واسع قد يغلق ممرات الإغاثة، ويعطل طرق التجارة، ويدفع بمزيد من المدنيين نحو الحدود السودانية.

لماذا الآن؟ اتفاق بريتوريا أمام الاختبار

لا توجد إجابة واحدة لعودة التصعيد لكن هناك خمسة عوامل تتقاطع في المشهد هي أزمة الثقة بين الحكومة الفيدرالية وقيادة تيغراي. واستمرار النزاع حول الأراضي خصوصا في غرب تيغراي. وعدم اكتمال ترتيبات السلاح والقوات التابعة. وتداعيات الحرب السودانية التي أعادت تشكيل شبكات القوة والتحالف على الحدود. وفوق هذه العوامل جميعا، يتحرك سباق أوسع على النفوذ في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لهذا فإن الرصاصة التي تُطلق في غرب تيغراي قد يكون مداها أبعد بكثير من المكان الذي خرجت منه.

منذ نوفمبر/تشرين الأول 2022، ظل اتفاق بريتوريا الإطار الأساسي لمنع عودة الحرب بين الحكومة الإثيوبية وقوات تيغراي. لكن الاتفاق لا يستطيع أن يعيش على وقف إطلاق النار وحده. السلام المستدام يحتاج إلى معالجة جذور النزاع: الأرض والنازحين والقوات المسلحة والعلاقة بين المركز والإقليم والوجود العسكري الأجنبي وإعادة بناء الثقة. السلام الذي يؤجل هذه الملفات لا يلغي الحرب؛ بل يؤجل موعد عودتها. والاشتباكات الأخيرة تشير إلى أن هذا الموعد قد يكون أقرب مما كان يُعتقد.

حتى الآن، لا يمكن القول إن حرب تيغراي عادت إلى ما كانت عليه بين 2020 و2022. لكن وصف ما يجري بأنه مجرد حادث أمني محدود سيكون مضللا أيضا. هناك مؤشرات متراكمة تبدت باشتباكات في غرب تيغراي، وتحركات عسكرية، وتشديد أمني في حُمرا، وتوتر على الحدود، ثم فرار مدنيين إلى السودان، وقلق متزايد بشأن العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا. والمشكلة أن منظومة الصراع القديمة لم تُفكك بالكامل، لقد توقفت الحرب، لكنها لم تُحسم. وهذا هو مكمن الخطر.

فإذا انهارت التفاهمات السياسية، فإن خطوط التماس التي خمدت بعد بريتوريا قادرة على الاشتعال من جديد، لكن هذه المرة داخل بيئة إقليمية أكثر هشاشة تضم سودان غارق في الحرب، وإرتريا على حدود متوترة، وإثيوبيا تبحث عن موقع بحري، والبحر الأحمر يتحول أكثر فأكثر إلى ساحة تنافس جيوسياسي.

ليست هناك حرب شاملة بعد، لكن هناك جيوش تتحرك، وقوات تعيد التموضع، وحدود تتوتر، ومدنيون يفرون، ولاجئون يتدفقون، وذاكرة حرب لم تُغلق في شمال غرب إثيوبيا، لا تزال النار تحت الرماد. وهذا تحديداً هو غليان الحمم. المصد >>>>>

Comments


bottom of page