كيف تفكّر إثيوبيا؟

توفيق شومان
17 أكتوبر 2026

ثلاثة عناوين يستخلصها المتصفح لمقالات وتقارير منشورة على موقع هيئة الإذاعة الإثيوبية تواريخها بين أغسطس/ آب 2025 و2026، أولها "إثيوبيا: حضارة عظيمة وأمة عظيمة ونهضة عظيمة"، وثانيها الإصرار على الوصول إلى البحر الأحمر، وثالثها حدّة الخطاب وشدّته حيال مصر ونهر النيل. وبين هذه العناوين تحل إريتريا والسودان وجمهورية الصومال الاتحادية ثلاثياً يصير رباعياً مع الطرف المصري، وغايته إعاقة خطط (وبرامج) النهوض الإثيوبي الآيل إلى استعادة أمجاد مملكة إكسوم ورخائها، وبصورة تجعل لإثيوبيا الحديثة مكانة مرموقة بين الأمم، كما كانت الحال مع عظمة "إكسوم" وحظوتها بين الإمبراطوريات القديمة في القرون الميلادية الأولى.
في مقالة منشورة على موقع الهيئة في 5/1/2026، ورد أن سعي إثيوبيا المتجدّد للوصول إلى البحر ليس طموحاً فرضته الجغرافية السياسية الحديثة، بل هو إحياء لإرادة تاريخية متجذرة في العصور القديمة، فمملكة إكسوم قامت على حضارة بحرية، فسلطتها السياسية وحيويتها الاقتصادية ومنزلتها الدولية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بوصولها إلى البحر الأحمر، وكانت إحدى الدول العظمى في العالم القديم إلى جانب روما وبلاد فارس والصين، ولم تستمد عوامل قوتها من المرتفعات الخصبة فحسب، بل امتدّت لتشمل سيطرتها الاستراتيجية على طرق التجارة في البحر الأحمر، رابطة شبه الجزيرة العربية بالبحر المتوسط والهند وما وراءها، والمصادر اليونانية والفارسية والرومانية تصف مملكة إكسوم بأنها قوة بحرية وتجارية.
وإذ تزاوج المقالة بين هوية إثيوبيا دولة ذات سيادة بوجودها البحري، فمقالة ثانية (12/8/2026)، تكمل ما لم تنص عليه الأولى "فاستخدام إثيوبيا موانئ البحر الأحمر يعود إلى العصور القديمة، حين كانت التجارة في عهد مملكة إكسوم عبر منافذ بحرية مثل أدوليس ومصوع (إريتريا). وفي الفترة الحديثة كان ميناء عصب (إريتريا أيضاً) بمثابة المنفذ البحري الرئيسي لإثيوبيا حتى استقلال إريتريا عام 1993". وفي مقالة ثالثة في 19/8/2025 "التاريخ يخبرنا أن إثيوبيا لم تكن يوماً في منأى عن البحر، باستثناء العقود الثلاثة الماضية التي شهدت تطورات مفاجئة مع انفصال إريتريا عنها، ومن المحزن اليوم أن نرى إثيوبيا محرومة من منفذ على البحر، وهذا الواقع جعلها أسيرة ومعزولة".
قال أبي أحمد وفقاً لمجلة قراءات أفريقية، إن حكومته ستسعى للحصول على منفذ بحري "عبر المفاوضات إن أمكن، وبالقوة إذا لزم الأمر"
الملاحظة الأولى في المقالتين الأخيرتين أن اسم إريتريا ومرافئها يتردّد تكراراً، وهذا ما يوجب الذهاب إلى مقالات تسترجع نصوصها مرحلة ما بعد استقلال إريتريا، ومما يفتح شهية السؤال حول قابلية التطبيع النفسي الإثيوبي مع إريتريا دولة مستقلة عن إثيوبيا، ففي مقالةٍ سبقت الإشارة إلى تاريخها (5/1/2026) "أدّت تحولات القوى الإقليمية والغزوات الأجنبية والتدخلات الاستعمارية على مر القرون إلى القطع بين إثيوبيا والبحر، وجاء الانقطاع الأكبر في أواخر القرن العشرين"، أي استقلال إريتريا، وهذا ما ستوضحه مقالة في 24/2/2026، وفيها "يشير تاريخ إثيوبيا إلى أنها كانت مطلّة على البحر دائماً، من خلال ساحلها الشرقي، ولم تُجبر على التحوّل إلى دولة حبيسة إلا بعد استقلال إريتريا عام 1993، ولم يُشرح ولم يُفهم جيداً كيف تغير هذا الوضع، لأنه جرى بمعزل عن إرادة الشعب الإثيوبي ومطلبه".
لا تومئ المقالات في موقع هيئة الإذاعة الإثيوبية إلى رغبة علنية لدى أديس أبابا بإعادة عقارب الزمن السياسي إلى مرحلة ما قبل استقلال إريتريا، إلا أن رئيس الوزراء الإثيوبي أبي أحمد قال في 13/10/2023 وفقاً لمجلة قراءات أفريقية (9/10/2026)، إن حكومته ستسعى للحصول على منفذ بحري "عبر المفاوضات إن أمكن، وبالقوة إذا لزم الأمر". ويعكس هذا التهديد المبين رؤية إثيوبية قوامها يتيح للمفاوض الإثيوبي القوي أن يضع مسدّساً على طاولة المفاوضات، لفرض شروطه على المفاوضين الأضعف، إريتريا وجمهورية الصومال، فالإثيوبيون يقولون إن ميناء واحداً لا يكفي، والمقصود ميناء جيبوتي الذي يمر عبره 90% من التجارة الإثيوبية، وأما ميناء بربرة في أرض الصومال، وحيث تمتلك إثيوبيا 19% من أسهمه، فطاقة تشغيله لن تستوعب أكثر من 8% من الناتج المحلي الإثيوبي عام 2035. ولذلك يحتل ميناء عصب الإريتري مكانة رفيعة من الرؤية الإثيوبية المستقبلية، وهذا ما تخشاه إريتريا، فيممت شطر مصر، ونحت جمهورية الصومال نحوها.
من تبريرات وحجج إثيوبيا للانفراد ببناء سد النهضة أن مصر والسودان عملتا على منع "استغلال إثيوبيا مواردها الطبيعية"
يسخر الإثيوبيون من مقولة المؤرّخ الإغريقي هيرودوتس "مصر هبة النيل" التي أطلقها حين زار أرض الكنانة في القرن الخامس قبل الميلاد، وبحسب مقالة منشورة في 28/7/2026 أن هيرودوتس وضع الأساس لفصل النهر عن مصدره، وأعطى انطباعاً بأن مصر هي النيل والنيل هو مصر، وكأنها المالك الوحيد للنهر، فتلك رواية مشوّهة على ما تقول المقالة، ويجب تصويبها وإزالة التحريف التاريخي العالق في المحافل السياسية والقانونية الدولية، ذلك أن "85% من مياه هذا النهر العظيم" تنبع من إثيوبيا. وفي هذه المقالة وغيرها (7 و27/7/2026) يجري التركيز على أن اتفاقيتي 1929 و1959 الخاصتين بتنظيم تدفقات مياه النيل إلى مصر والسودان أصبحتا من الماضي، وهما نتيجتان لمآرب الهيمنة والمشاريع الاستعمارية، وأكثر من هذا تتحدّث مقالة في 17/8/2026 عن نظرية "المياه المزدوجة"، وهي نظرية غير معروفة من قبل، فحواها أن من حق إثيوبيا أن تكون لها السيادة على مياه نهر النيل ومياه البحر الأحمر. وهذان الطموحان ليسا منفصلين، بل هما ركيزتان أساسيتان لبقاء أمة يزيد عدد سكانها عن 130 مليون نسمة.
ومن تبريرات وحجج إثيوبيا للانفراد ببناء سد النهضة أن دولتي الجوار، مصر والسودان، عملتا على منع "استغلال إثيوبيا مواردها الطبيعية"، فوقفتا جداراً مترفعاً أمام نهضة إثيوبيا وازدهارها. وعلاوة على هذا، مصر طبقاً لمقالة في 25/7/2026 لم تجر مفاوضات ولا استشارات حين اتخذت قراراً ببناء السد العالي في الستينيات.
المقالة الأخيرة المندرجة في نطاق التفكير الإثيوبي ومنظومته في منتصف أغسطس/ آب من العام الماضي، وفيها ما يفيض غرابة، فهي تدعو إلى أن تبحث مصر عن المياه في الصحراء الشرقية المحاذية لليبيا، وحيث تتصل الأخيرة بتشاد، فتحت رمال الصحراء منطقة جوفية مائية هي الأكبر في العالم. وإذا أريد المزيد، تقع مصر على سواحل البحرين المتوسط والأحمر، وبالإمكان استخدام التكنولوجيا الحديثة لاستجرار الماء من جوف الصحراء أو تحلية المياه المسحوبة من البحرين.
يا لها من أفكار. ولكن هكذا تفكّر إثيوبيا... كيف يفكّر الجيران؟


Comments