شروط إثيوبيا للتفاوض مع إريتريا... تيغراي خارج الصورة
أديس أبابا تطالب أسمرة بالتخلي عن دعم "المتمردين" وتسليم الهاربين واستعادة

المعدات العسكرية الثقيلة التي كانت بحوزتهم
محمود أبو بكر كاتب صحفي، مختص في قضايا البحر الأحمر ودول حوض النيل

مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لشؤون منطقة دول الشرق الأفريقي، الوزير جيتاتشو ردا (أ ف ب)
ملخص
اتهم مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لشؤون منطقة دول الشرق الأفريقي، والمنشق عن جبهة تحرير تيغراي، الوزير جيتاتشو ردا، إريتريا بالضلوع في تشكيل تحالف القوى السبع المسلحة التي تحارب النظام في إثيوبيا، وذلك من أجل إبعاد الخطر عن أراضيها، وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي الإثيوبية، تضمن عدم اقتراب الجيش الإثيوبي من الحدود الدولية المشتركة.
كشف مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد لشؤون منطقة دول الشرق الأفريقي، الوزير جيتاتشو ردا، عما سماه "شروط إثيوبيا الأولية للانخراط في مفاوضات مباشرة مع إريتريا"، وقال ردا في خطاب أمام ملتقى عقده الجيش الإثيوبي حول مستقبل السلام والتنمية في إثيوبيا، إن إمكان إجراء مفاوضات مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي "يُعد في حكم العدم"، لأن الجبهة لم تعد موجودة فعلياً، وتم القضاء عليها، مشيراً إلى أن تأثيرها أضحى مقصوراً على إصدار البيانات والتحرك في مواقع التواصل الاجتماعي، ومن ثم فإن الحوار المتوقع ينبغي أن يجري مع إريتريا مباشرة. واتهم الوزير الإثيوبي المنشق عن جبهة التيغراي، إريتريا بالضلوع في تشكيل تحالف القوى السبع المسلحة التي تحارب النظام في إثيوبيا، وذلك من أجل إبعاد الخطر عن أراضيها، وفرض منطقة عازلة داخل الأراضي الإثيوبية، تضمن عدم اقتراب الجيش الإثيوبي من الحدود الدولية المشتركة.
وشدد ردا على أن لدى حكومته شروطاً أولية ينبغي تحقيقها لقبول أي مبادرة دولية في شأن الحوار مع إريتريا أهمها، إعلان أسمرة رسمياً تخليها عن دعم الجماعات الإثيوبية المتمردة، وتسليم القيادات المطلوبة التي لجأت إلى الداخل الإريتري، بجانب استعادة المقدرات العسكرية الثقيلة التي كانت بحوزة المتمردين، وإبداء الرغبة في تبني سياسات حسن الجوار مع إثيوبيا كشروط أساسية لبدء أي حوار بين البلدين.
حرب بالوكالة
من جهته رد وزير الإعلام الإريتري يماني جبري مسقل، على إمكان استجابة بلاده لدعوات الحوار مع إثيوبيا بالقول إن الدعوات ينبغي أن توجه للداخل الإثيوبي، إذ تدور الحرب بين جماعات إثيوبية مسلحة والنظام الحاكم في أديس أبابا.
وأشار مسقل إلى أن بلاده غير معنية بأي شروط للحوار مع الطرف الإثيوبي الذي يهدد علناً بانتهاك الحدود الدولية، وإعادة رسم الواقع الجيوسياسي في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لخدمة مصالح دول إقليمية تسعى إلى مد نفوذها في مضيق باب المندب، الذي تشرف على ممر مائي دولي يعد من أهم الممرات إستراتيجية بالنسبة إلى الملاحة الدولية.
وأضاف الوزير الإريتري في صفحته على موقع "إكس"، "لقد حان الوقت لمطالبة النظام الإثيوبي الطامح إلى أداء دور القوة الصغيرة المهيمنة لخدمة الغير بالتخلي عن أحلامه الجوفاء، والالتفات بدلاً من ذلك لمعالجة أزماته الداخلية المستعصية"، مؤكداً أنه آن الأوان لنقولها صراحة كما في المثل الشهير إن "الإمبراطور عارٍ تماماً".
دعوات من دون مسوغ قانوني
من جهتها أصدرت وزارة الخارجية الإريترية بياناً توضيحياً حول الدعوات الدولية والإقليمية لإطلاق مبادرة حوار مع جارتها الجنوبية، ويرى البيان الإريتري أن جذور التوترات الأخيرة، وحال عدم الاستقرار المتصاعد في القرن الأفريقي، هو ناتج السياسات التي يتبعها نظام حزب "الازدهار" الحاكم في إثيوبيا، مشيراً إلى أن أديس أبابا انتهجت على مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة "سياسة عدوان جيوسياسي أحادية الجانب" ضد أسمرة.
وأوضح البيان أن الوضع العسكري القائم، والتصعيد الدبلوماسي، والابتزاز الاقتصادي، كلها أمور يجري تنسيقها والتخطيط لها من جانب قيادة حزب "الازدهار"، كذلك رد البيان على الدعوات العاجلة التي يوجهها المجتمع الدولي في شأن الحوار مع إثيوبيا، بالقول إنها "دعوات تفتقر إلى أساس قانوني، ولا تفضي إلى أي نتائج دبلوماسية ملموسة، فهي مقاربة معيبة تساوي بين الدولة المعتدية التي تؤجج العدوان الإقليمي، والدولة التي تدافع عن سيادتها المشروعة بموجب القانون الدولي".
الإفلات من المساءلة
وأشار البيان إلى أنه من شأن مثل هذه التصريحات أن تنقل المسؤولية عن الطرف المعتدي إلى غيره، وأن تشجع على الإفلات من المساءلة، أما المسار الصحيح الذي يمكن أن يفضي إلى تسوية التوترات، فيتمثل في ممارسة الضغط على الجهة المسؤولة عن الدور الأكبر في تصعيدها، لإجبارها على وقف السياسات القائمة على العدوان.
ورفض بيان الخارجية الإريترية الاتهامات الموجهة إلى أسمرة بالتدخل في الشأن الإثيوبي، مشيراً إلى أنها "اتهامات مختلقة"، تهدف بالأساس إلى "تضليل المجتمع الدولي"، من خلال حملة إعلامية ودبلوماسية منسقة بهدف التهرب من المساءلة، وتبرير العدوان الممنهج للحدود الإريترية.
اقرأ المزيد
وتابع البيان أن الانتهاك الصريح الذي يمارسه الخطاب الإثيوبي ضد الأراضي السيادية الإريترية، باعتبار أنها تحقق له "مصالح إستراتيجية"، لمجرد أن إثيوبيا دولة غير ساحلية، يضع حدود جميع الدول الأفريقية وسيادتها في دائرة الخطر، وإذ تدافع إريتريا عن سيادتها، فإنها تدافع، في نهاية المطاف، عن المبادئ التي يقوم عليها وجود كل دولة أفريقية وأمنها.
اختبار الإرادة
من جهته يرى المتخصص في الشأن الإثيوبي، الناشط في حزب "الازدهار" الحاكم، تامانج هوريسا، أن أديس أبابا تجاوبت مع الدعوات الدولية لخفض التصعيد، بما في ذلك دعوتي كل من واشنطن والاتحاد الأوروبي، لتجنيب المنطقة مزيداً من الأزمات، ولمنح فرص مواتية لإطلاق حوار شفاف مع أسمرة بوساطة دولية، عوض الدخول في اتخاذ تدابير عسكرية رداً على التوغل الإريتري في تيغراي، مع الاحتفاظ بحق الدفاع عن النفس في حال رفض إريتريا دعوات المجتمع الدولي، والاستمرار في سياسات دعم الجماعات المسلحة.
ويرى هوريسا أن النقاط التي أشار إليها مستشار رئيس الوزراء الإثيوبي لا تعد شروطاً مسبقة، بل اختباراً لإرادة أسمرة، ومدى تجاوبها مع المبادرات الدولية المقترحة، إذ تمثل تلك النقاط بمثابة بادرة حسن نية، ومعبر عن إرادة سياسية لحل الخلافات فعلياً.
ويضيف الناشط الإثيوبي أن بيان الخارجية الإريترية قوض المبادرات برفضه مبدأ الحوار، مما يكشف عدم استعداد أسمرة للتخلي عن سياسات دعم المعارضة المسلحة في إثيوبيا، وعدم رغبتها في إجراء أي حوار باعتباره انتقاصاً من سيادتها.
خلاصات متعجلة
بدوره يرى الباحث المتخصص في الشأن التيغراوي، محاري سلمون، أن تصريحات جيتاشوا ردا، تأتي في إطار حملات الحرب النفسية بخاصة بعد استعادة مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي نحو ثلاث بلدات خلال الأيام الماضية، مشيراً إلى أن "الاعتقاد بأن إلحاق الهزيمة بقوات التيغراي يعني انتهاء تجربة الجبهة الشعبية السياسية والفكرية والمطالبة، يعد اعتقاداً خاطئاً للغاية"، بخاصة أن جيتاشوا نفسه شارك في حرب تيغراي 2021، وكان أكثر من انتقد مثل هذه الخلاصات المتعجلة، باعتباره ناطقاً رسمياً للجبهة آنذاك، إذ ظل يشدد على أن انسحاب قوات التيغراي من كل المدن نحو صحاري منطقة تتبين لا يعني أبداً انتهاء المقاومة.
ويُذكّر سلمون بالانتصارات التي تحققت لاحقاً وصولاً إلى اتفاق بريتوريا، وبخصوص التصريحات الخاصة بإريتريا يرى المحلل التيغراوي أنها إعادة تدوير للتصريحات ذاتها التي أدلى بها رئيس الوزراء الإثيوبي أثناء حواره في التلفزيون الإثيوبي الأسبوع الماضي.
وأشار الباحث المتخصص في الشأن التيغراوي إلى أن وضع شروط مسبقة لأي حوار يعد بمثابة عرقلة للجهود الدولية، ويضيف أن الدعوات التي قدمت للطرفين بالأساس تتعلق "بضبط النفس وتخفيف التصعيد"، ولا تتعلق بمناقشة إعادة ترسيم الحدود الدولية، أو "إحداث تغييرات جيوسياسية في البحر الأحمر"، كما يحاول المسؤولون الإثيوبيون الإيحاء به.
إستراتيجية المفاوضات
وأوضح الباحث المتخصص في الشأن التيغراوي أن الإستراتيجية الإثيوبية من التصعيد مع إريتريا، هدفها ابتزاز الأخيرة عبر التهديد، لاستدراجها لمفاوضات بوساطة دولية، من أجل مناقشة أجندات ذات علاقة بالمشروع الإثيوبي الخاص بالنفاذ إلى البحر الأحمر، وهذا ما يتنافى مع المواثيق الدولية بما فيها ميثاق الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن رسالة الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش كانت واضحة في هذا الشأن، إذ أبلغ رئيس الوزراء الإثيوبي عبر مبعوثته للقرن الأفريقي، أن أي تعد على الحدود الدولية، يعد انتهاكاً للقانون الدولي ولميثاق الأمم المتحدة.
ويتابع سلمون أنه من المهم أن ندرك أن التحركات الدولية، لم تتحول بعد إلى مبادرات فعلية تطرح على الطرفين وساطة محددة المهام، إذ لا تزال في مقام المناشدات بضرورة خفض التصعيد واحترام الحدود وسيادة كل طرف، ومن ثم يصعب تحديد شروط مسبقة على أي مبادرات محتملة، موضحاً أن أقرب فرصة لإمكان طرح مبادرة قد تأتي في القمة الأفريقية - الروسية المزمع عقدها خلال الأيام المقبلة في موسكو.
وذكر الباحث المتخصص في الشأن التيغراوي أن الطرفين قد تكون لديهما تحفظات في شأن قيادة موسكو المفاوضات، بخاصة في ظل سعي أسمرة إلى تحسين علاقاتها مع واشنطن، بجانب تحفظاتها تجاه الدور الروسي المتعلق بتأهيل القوات البحرية الإثيوبية، كذلك ترتبط أديس أبابا بتحالفات إقليمية أخرى داعمة لمطالبها المتعلقة بالنفاذ إلى البحر الأحمر، ومن ثم فإن موسكو قد لا تكون العاصمة المفضلة للطرفين، ومن ثم فإن المبادرات الأوروبية أو الأميركية هي الأكثر ترجيحاً للنجاح. المصدر >>>>


Comments