top of page

رفع العقوبات عن إريتريا: هل تعيد الولايات المتحدة تعريف أولوياتها؟

  • tvawna1
  • 3 minutes ago
  • 6 min read

محمود ناصر سعد جويده

في لحظة إقليمية تتسم بسيولة التحالفات وتسارع إعادة التموضع الدولي، يبرز احتمال رفع العقوبات الأمريكية عن إريتريا كمؤشر على تحول أعمق في مقاربة الولايات المتحدة تجاه القرن الأفريقي والبحر الأحمر. فالمسألة لا تتعلق فقط بإعادة تطبيع العلاقات مع دولة ظلت لسنوات في عزلة دولية، بقدر ما تعكس إعادة ترتيب للأولويات الاستراتيجية للولايات المتحدة في ضوء تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي، وتزايد أهمية الممرات البحرية الحيوية.

التقارب الأمريكي الإريتري وتداعياته على هندسة البحر الأحمر

كشفت صحيفة وول ستريت جورنال أن الولايات المتحدة تدرس إعادة ضبط علاقاتها مع إريتريا، بما في ذلك احتمال رفع العقوبات المفروضة عليها، في ما يعكس تحولًا في مقاربة واشنطن تجاه أسمرة. غير أن هذا التوجه لا يستند، وفق تقديرات حقوقية، إلى تغيرات جوهرية في سلوك النظام الإريتري تبرر مثل هذه الخطوة، ما يشير إلى أن التفكير في استئناف العلاقات يحمل دلالات تتجاوز مسألة التطبيع الثنائي، ويرتبط باعتبارات استراتيجية أوسع في سياق التنافس الإقليمي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي. ومع ذلك، لا يزال القرار غير محسوم، إذ تعكس التباينات داخل دوائر القرار الأمريكي جدلًا بين اتجاه يدفع نحو الانخراط البراغماتي مع أسمرة، وآخر يتمسك بالإبقاء على العقوبات.

بدأت المحادثات بين الولايات المتحدة وإريتريا قبل اندلاع الحرب الأمريكية_الإسرائيلية على إيران في أواخر فبراير/شباط الماضي، لكنها اكتسبت زخمًا إضافيًا في ظل تداعياتها الإقليمية. في هذا السياق، التقى مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للشؤون الأفريقية، بالرئيس الإريتري أسياس أفورقي نهاية عام 2025، في خطوة اُعتُبرت اختراقًا دبلوماسيًا، إذ يُعد هذا اللقاء الأول من نوعه منذ عام 2018. وتركزت المباحثات على سبل تخفيف العقوبات الأمريكية على أسمرة، إلى جانب إطلاق حوار رفيع المستوى يهدف إلى إعادة ضبط العلاقات الثنائية بصورة شاملة.

تعمل إريتريا ضمن شبكة معقدة من توازنات المصالح الإقليمية، حيث تسعى إلى توظيف التنافسات الدولية والإقليمية بما يخدم أجندتها الخاصة، في نمط يوضح براغماتية عالية في إدارة علاقاتها الخارجية

تمتد سواحل إريتريا على البحر الأحمر لأكثر من ألف كيلومتر، وتمتلك موانئ استراتيجية مثل: مصوع وعصب، فضلًا عن أرخبيل دهلك الذي يضم أكثر من 200 جزيرة، ما يمنحها موقعًا فريدًا في معادلات الأمن البحري الإقليمي. لذلك، تبرز أسمرة كفرصة محتملة للولايات المتحدة لتعزيز حضورها في مواجهة تحركات الحوثيين. وتزداد أهمية هذا الدور مع لجوء إيران إلى استخدام أوراق الضغط البحرية، بما في ذلك إغلاق مضيق هرمز، بالتوازي مع تهديدات الحوثيين باستهداف الملاحة في البحر الأحمر، وهو ما يعيد تشكيل حسابات القوى الدولية تجاه أهمية إريتريا كمرتكز استراتيجي في إدارة هذا التصعيد.

ترى صحيفة فورين بوليسي أن اختزال إريتريا في وظيفة أمنية بحتة لا يعكس تعقيدات واقعها السياسي الداخلي، ولا دينامياتها الإقليمية المتشابكة مع إثيوبيا والسودان، واصفة هذا النهج بأنه تعبير عن تفكير استراتيجي محدود في مقاربة الولايات المتحدة تجاه القرن الأفريقي. ومع ذلك، تكشف هذه المقاربة إعادة ترتيب للأولويات داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، حيث تتقدم الحسابات المرتبطة بضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية على غيرها من الاعتبارات السياسية والحقوقية.

وفي مؤشر على انفتاح متبادل، عبر أسياس أفورقي في يناير/كانون الثاني 2026، خلال مقابلة مع وسائل الإعلام الإريترية، عن تفاؤله بإمكانية استئناف العلاقات مع الولايات المتحدة، مرجحًا نشوء علاقات عادلة ومتوازنة بين الجانبين. ويأتي هذا الخطاب في سياق إشارات سابقة من واشنطن، إذ أفادت وزارة الإعلام في إريتريا في يوليو/تموز 2025 بأن ترامب بعث برسالة إلى أفورقي أعرب فيها عن استعداده لإعادة بناء علاقة مثمرة بين البلدين. كما كان أفورقي قد بادر بتهنئة ترامب بعودته إلى الرئاسة في يناير/كانون الثاني 2025، معربًا عن أمله في فتح صفحة جديدة من العلاقات الثنائية.

تثير هذه العودة المحتملة في العلاقات بين الولايات المتحدة وإريتريا مخاوف متزايدة، إذ تشير بعض التقديرات إلى أن مسار التطبيع قد يتجاوز إعادة الانخراط الدبلوماسي ليحمل في طياته محاولات لاختراق بنية النظام القائم. وفي هذا السياق، دعا المسؤول السابق في وزارة الدفاع الأمريكية مايكل روبين الرئيس ترامب إلى التدخل للإطاحة بالرئيس أسياس أفورقي، معتبرًا أن مثل هذه الخطوة تسهم في تعزيز الأمن الإقليمي ودعم المصالح الأمريكية في القرن الأفريقي. ويعكس ذلك تباين المواقف بين الانخراط مع أسمرة، أو إعادة تشكيل السياسة الداخلية كمدخل لتحقيق أهداف أوسع.

إريتريا بين إرث العزلة وإعادة التموضع في القرن الأفريقي

حافظت إريتريا على علاقات متوترة مع الولايات المتحدة والغرب منذ استقلالها عام 1993، إذ تشكّل هذا التوتر حتى قبل تقرير المصير في ظل شعور أسمرة بأن واشنطن لم تتعامل معها بإنصاف، وانحازت إلى إثيوبيا، في وقت لم ترَ فيه الولايات المتحدة المرتبطة بتحالفات قائمة مع جيبوتي واليمن على سواحل البحر الأحمر حاجة استراتيجية لإدماج شريك جديد في معادلاتها الإقليمية. ونتيجة لذلك، اتخذت أسمرة خطوات تصعيدية، أبرزها طرد الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية عام 2005، في تعبير عن رفضها للنفوذ الغربي. كما صعّد أسياس أفورقي من لهجته، متهمًا وكالة الاستخبارات المركزية ووكالات غربية أخرى بالوقوف وراء تشجيع هجرة الشباب الإريتري.

لا يزال القرار غير محسوم، إذ تعكس التباينات داخل دوائر القرار الأمريكي جدلًا بين اتجاه يدفع نحو الانخراط البراغماتي مع أسمرة، وآخر يتمسك بالإبقاء على العقوبات

عام 2009، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات على إريتريا على خلفية اتهامات تتعلق بعدم سحب قواتها من جيبوتي، إضافة إلى مزاعم بشأن دعمها لـحركة الشباب في الصومال. ورغم إعلان أسمرة لاحقًا وقف أي دعم وسحب قواتها، استمرت العقوبات الدولية، ما عمّق العزلة السياسية التي عاشتها البلاد لسنوات. وبقي هذا الوضع قائمًا حتى عام 2018، حين سمحت الولايات المتحدة بتمرير قرار أممي برفع العقوبات عن إريتريا عقب توقيع اتفاق السلام بين إثيوبيا وأسمرة، في تحول اعتُبر نقطة انعطاف في مسارها الدولي. غير أن هذا الانفراج لم يدم طويلًا، إذ أدى انخراط إريتريا في حرب تيغراي بين عامي 2020 و2022 إلى إعادة فرض عقوبات أمريكية، شملت الجيش الإريتري والحزب الحاكم وأطرافًا مرتبطة به عام 2021، ولا تزال هذه العقوبات قائمة حتى اليوم.

في ظل استمرار العقوبات المفروضة على إريتريا، اتجهت أسمرة إلى توطيد علاقاتها مع الصين وروسيا بوصفهما شريكين بديلين في موازين السياسة الدولية. ووفقًا لتقرير صادر عن معهد هادسون الأمريكي، فقد زادت بكين وموسكو من مستوى انخراطهما مع النظام الإريتري. وفي هذا الإطار، أجرى المبعوث الصيني إلى القرن الأفريقي محادثات مع الرئيس أسياس أفورقي في أسمرة خلال أبريل/نيسان الجاري، في زيارة هي الثانية خلال فترة قصيرة بعد زيارة سابقة في ديسمبر/كانون الأول 2025، وذلك في وقت يتصاعد فيه التوتر بين إثيوبيا وإريتريا، إلى جانب تصاعد التنافس الإقليمي في البحر الأحمر.

تشير المعطيات إلى أن هذه التحركات تعكس اهتمامًا صينيًا متزايدًا بالموقع الجيوسياسي لإريتريا، خصوصًا مع احتفاظ بكين بحصة كبيرة من صادرات المعادن الإريترية تُقدّر بنحو 90٪. أما على الجانب الروسي، فتبرز العلاقة من خلال تنامي التقارب السياسي بين موسكو وأسمرة، والذي تجلّى في زيارة أفورقي إلى روسيا عام 2023.

التقارب الأمريكي الإريتري وإعادة هندسة توازنات المنطقة

تُنذر عودة التقارب بين إريتريا والولايات المتحدة بمزيد من التعقيد في المشهد السياسي في القرن الأفريقي، لا سيما في ظل التوتر المتصاعد بين إريتريا وإثيوبيا، المرتبط باتهامات موجهة إلى أسمرة بدعم جماعات مسلحة داخل الأراضي الإثيوبية، إضافة إلى الرغبة الإثيوبية في الوصول إلى منفذ بحري، وهو ما تعتبره إريتريا تهديدًا مباشرًا لسيادتها وأمنها القومي.

في هذا السياق، يرى عضو مجلس إقليم أوروميا الإثيوبي "بيلسما برانو أرارسا" أن واشنطن لن تتخلى عن شراكتها الاستراتيجية مع إثيوبيا لصالح تعزيز علاقاتها مع إريتريا، نظرًا لاعتبارات التوازن الجيوسياسي، حيث يُنظر إلى الوزن الاستراتيجي لإثيوبيا باعتباره أكبر بكثير مقارنة بإريتريا. ويستند هذا التقييم إلى قناعة إثيوبية مفادها أن الشراكات الدولية تُبنى على اعتبارات اقتصادية وإقليمية واستراتيجية طويلة المدى، وليس فقط على التحولات التكتيكية أو إعادة التموضع الدبلوماسي الآني.

توسطت مصر للتقارب بين واشنطن وأسمرة ضمن استراتيجيتها في المنطقة، إذ تشير مجلة فورين بوليسي إلى أن القاهرة توظف هذا التقارب ضمن حسابات استراتيجية أبعد، تشمل الحفاظ على الدولة السودانية المركزية بقيادة القوات المسلحة السودانية، إلى جانب السعي لتشكيل تكتل إقليمي يضم إريتريا والولايات المتحدة للضغط على إثيوبيا في ملف سد النهضة.

تكشف هذه المقاربة إعادة ترتيب للأولويات داخل دوائر صنع القرار الأمريكي، حيث تتقدم الحسابات المرتبطة بضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية على غيرها من الاعتبارات السياسية والحقوقية

من هنا، يشير موقع هورن ريفيو الإثيوبي إلى وجود تقارب مصري إريتري متزايد يهدف إلى موازنة النفوذ الإثيوبي، حيث أبرمت القاهرة، في أواخر عام 2025، اتفاقيات لتطوير مينائي عصب في إريتريا ودوراليه في جيبوتي بالقرب من باب المندب، بما يشمل توفير أرصفة لاستقبال السفن الحربية والتزود بالوقود، فضلاً عن ترتيبات مرتبطة بانتشار محدود لوحدات عسكرية، مما يبرز تداخل الاعتبارات المائية والأمنية في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية.

تعمل إريتريا ضمن شبكة معقدة من توازنات المصالح الإقليمية، حيث تسعى إلى توظيف التنافسات الدولية والإقليمية بما يخدم أجندتها الخاصة، في نمط يوضح براغماتية عالية في إدارة علاقاتها الخارجية. فبينما استضافت قاعدة عسكرية لإسرائيل في أرخبيل دهلك، واصلت في الوقت ذاته تعزيز قنواتها مع إيران، في دلالة على قدرتها على المناورة بين محاور متعارضة.

تشير مجلة Modern Diplomacy إلى أن أسمرة توظف استقرارها الداخلي النسبي لتعزيز حضورها في شرق أفريقيا، عبر تطوير علاقاتها مع دول الجوار، لا سيما مصر والصومال. وتجلى هذا التوجه في القمة الثلاثية التي استضافتها أسمرة في أكتوبر/تشرين الأول 2024، وجمعت قادة الدول الثلاث، في سياق تصاعد التوتر بين إثيوبيا والصومال على خلفية اتفاقية تمنح أديس أبابا حق الوصول البحري مقابل الاعتراف بـصوماليلاند كدولة مستقلة.

ختاماً، تعيد الولايات المتحدة رسم حضورها في منطقة القرن الأفريقي عبر مقاربة تجمع بين تعزيز نقاط ارتكازها التقليدية وتوسيع أدوات نفوذها الإقليمي. ويأتي في مقدمة هذا الوجود ترسيخ حضورها العسكري في جيبوتي، حيث تتمركز القيادة المركزية الأمريكية في أفريقيا ضمن قاعدة معسكر ليمونييه التي تضم نحو 4000 جندي أمريكي، وتشكل أحد أهم مراكز العمليات الأمريكية في القارة. وفي موازاة ذلك، تتجه واشنطن إلى توسيع تعاونها الأمني وتطوير قاعدة ماندا باي في كينيا منذ بداية عام 2026، إلى جانب مسار إعادة تطبيع العلاقات مع عدد من الفاعلين الإقليميين، بما في ذلك إريتريا، في إطار رؤية أوسع لإعادة التموضع الاستراتيجي في شرق أفريقيا وسواحل البحر الأحمر والمحيط الهندي، بما يعكس تزايد الأهمية الجيوسياسية لهذه المنطقة في حسابات الأمن القومي الأمريكي. المصدر >>>>>

Comments


bottom of page