حرب الإخوة الأعداء في إثيوبيا: صراع يتجاوز الحدود وينذر بكارثة إقليمية

بقلم الاستاذ / علي محمد صالح شوم
لندن – 29/09/2026م
في مقالي السابق، تناولت الحرب المتجددة في إثيوبيا، وما تنطوي عليه من مخاطر تهدد وحدة البلاد واستقرار منطقة القرن الإفريقي برمتها. ويبدو أن المواجهات العسكرية الأخيرة لم تعد محصورة في إقليم تيغراي، بل أخذت تتسع رقعتها لتشمل مناطق أخرى، ولا سيما إقليم عفر، الذي شهد اشتباكات عنيفة بين القوات الفيدرالية والقوى المسلحة المناوئة لها، وفقاً لما تناقلته وكالات الأنباء ووسائل الإعلام. ولم تقتصر المواجهات على ذلك، بل امتدت إلى مناطق في إقليم أمهرا، في تطور ينذر باتساع رقعة الحرب وفتح جبهات جديدة. كما أفادت تقارير إعلامية بوقوع اشتباكات في مناطق عفرية، من بينها أبالا وإريبتي، وسط أنباء متباينة بشأن السيطرة

على عدد من المواقع. وفي الوقت ذاته، تحدثت تقارير عن تحركات عسكرية للقوات الفيدرالية في جنوب تيغراي، وعن استعادة بعض المواقع، الأمر الذي يعكس مدى تعقيد المشهد العسكري وتداخل جبهاته. إنها، بحق، حرب الإخوة الأعداء؛ حرب لا يبدو أن أطرافها قد استخلصوا الدروس الكافية من مآسي الماضي، ولا سيما الحرب التي شهدها إقليم تيغراي بين عامي 2020 و2022، والتي خلّفت خسائر بشرية هائلة ودماراً واسعاً، وألقت بظلالها الثقيلة على حياة ملايين الإثيوبيين. وبدلاً من أن تكون تلك المأساة مدخلاً إلى مصالحة وطنية شاملة، ها هي البلاد تقترب مجدداً من دائرة العنف، في ظل تصاعد انعدام الثقة بين مكوناتها السياسية والإثنية. وتزداد خطورة هذا المشهد مع بروز مؤشرات على تدخلات خارجية، أو اتهامات متبادلة بشأن تقديم الدعم لبعض أطراف الصراع. فقد اتهم مسؤولون إثيوبيون إريتريا بدعم جماعات مسلحة معارضة، وهي اتهامات نفتها أسمرا. ومن شأن استمرار هذه الاتهامات، في ظل التوتر القائم بين البلدين، أن يفتح الباب أمام تصعيد يتجاوز الحدود الإثيوبية، ويحوّل الصراع الداخلي إلى أزمة إقليمية يصعب احتواء تداعياتها. ومن هنا، تبرز مسؤولية رئيس الوزراء أبي أحمد، الذي يواجه اليوم اختباراً بالغ الصعوبة في إدارة دولة يتجاوز عدد سكانها 130 مليون نسمة، وتمتد على مساحة جغرافية شاسعة، وتضم قوميات ومكونات متعددة، لكل منها تطلعاتها ومخاوفها ومطالبها السياسية. فقد استقبلت قطاعات واسعة من الإثيوبيين والمجتمع الدولي وصوله إلى السلطة عام 2018 بتفاؤل كبير، ولا سيما في ضوء الشعارات التي رفعها بشأن الإصلاح والمصالحة والسلام، وما رافقها من آمال في إحداث تحول سياسي ينعكس إيجاباً على إثيوبيا ومحيطها الإقليمي. غير أن مسار الأحداث اللاحق كشف عن تعقيدات عميقة في إدارة الملفات الوطنية المصيرية، وعن فجوة متزايدة بين الوعود الإصلاحية والواقع السياسي والأمني. فبدلاً من أن تنجح الحكومة في بناء توافق وطني يضمن مشاركة مختلف المكونات في إدارة شؤون البلاد، ظلت الخلافات السياسية والإثنية تتفاقم، حتى عادت البلاد إلى أجواء الحرب والاقتتال. أما ملف الوصول إلى البحر الأحمر، فقد أصبح بدوره من أبرز القضايا التي تثير القلق في المنطقة. فقد تكررت التصريحات الإثيوبية بشأن ضرورة الحصول على منفذ بحري، ورافقتها مواقف أثارت جدلاً واسعاً حول الوسائل التي يمكن اللجوء إليها لتحقيق هذا الهدف. وقد انعكست هذه التصريحات على علاقات إثيوبيا بجيرانها، ولا سيما إريتريا، التي ترى في أي مساس بسيادتها أو أراضيها تهديداً مباشراً لأمنها الوطني. ومن المؤسف أن تتحول قضية الوصول إلى البحر، وهي قضية يمكن معالجتها عبر الحوار والتعاون والاتفاقات الاقتصادية، إلى مصدر للتوتر والقلق، في منطقة أنهكتها الحروب والصراعات. فحق إثيوبيا في البحث عن مصالحها الاقتصادية لا ينبغي أن يكون مدخلاً للمساس بسيادة الدول الأخرى أو تهديد أمنها واستقرارها. وفي خضم هذه التطورات، جاء إعلان التحالف المسلح الجديد ليضيف بُعداً آخر إلى الأزمة الإثيوبية. فاجتماع قوى متباينة في خلفياتها السياسية والإثنية، بل ومتعارضة في مواقفها السابقة، تحت مظلة واحدة لمواجهة الحكومة الفيدرالية، يعكس حجم الاحتقان السياسي الذي بلغته البلاد. غير أن اختلاف أهداف هذه القوى وتباين رؤاها بشأن مستقبل الدولة الإثيوبية يثيران تساؤلات جدية حول قدرتها على تجاوز خلافاتها، وحول طبيعة النظام السياسي الذي تسعى إلى إقامته في حال نجاح مشروعها. وفي تطور يعكس خطورة المرحلة، شهدت الأيام الأخيرة من سبتمبر تصعيداً عسكرياً شمل السيطرة على مطارات في إقليم تيغراي، وتعليق الخطوط الجوية الإثيوبية رحلاتها إلى عدد من مدن الإقليم، إلى جانب امتداد الاشتباكات إلى إقليمي عفر وأمهرا. كما أعلن الجيش الإثيوبي أنه يتعامل مع التطورات بضبط النفس، في حين تبادلت الأطراف الاتهامات بشأن المسؤولية عن اندلاع المواجهات. وهذه التطورات تؤكد أن اتفاق بريتوريا للسلام، الذي أنهى الحرب السابقة عام 2022، لا يزال يواجه تحديات جسيمة، وأن ما تحقق من تهدئة لم يتحول بعد إلى سلام مستدام. إن استمرار هذا التصعيد يضع الاتحاد الإفريقي أمام مسؤولية تاريخية، تستوجب التحرك العاجل لمنع انزلاق إثيوبيا إلى حرب شاملة. فإثيوبيا ليست دولة هامشية في القارة الإفريقية، بل تمثل ثقلاً سياسياً وديموغرافياً كبيراً، كما تحتضن مقر الاتحاد الإفريقي في عاصمتها أديس أبابا. ومن ثم، فإن انهيار الاستقرار فيها ستكون له تداعيات خطيرة على الأمن والسلم في القارة، ولا سيما في منطقة القرن الإفريقي. كما أن الجامعة العربية معنية بهذه التطورات، بحكم ارتباط الأمن الإثيوبي بأمن منطقة البحر الأحمر والقرن الإفريقي، وبالنظر إلى المصالح المشتركة للدول العربية المطلة على البحر الأحمر، فضلاً عن ارتباطها المباشر بملف مياه النيل. ومن الضروري أن تضطلع الجامعة بدور دبلوماسي فاعل، بالتنسيق مع الاتحاد الإفريقي والهيئات الإقليمية والدولية المعنية، من أجل احتواء الأزمة، وتشجيع الحوار بين الأطراف الإثيوبية، والعمل على وقف الحرب قبل أن تتسع دائرتها وتتعذر السيطرة على نتائجها. أما بالنسبة إلى إريتريا، فإن التطورات الجارية تفرض عليها مسؤولية مضاعفة في حماية أمنها القومي وصيانة سيادتها الوطنية. وفي الوقت نفسه، ينبغي أن يدرك الشعب الإريتري، وفي مقدمته قوات الدفاع الإريترية، أن الانجرار إلى صراعات داخلية إثيوبية جديدة لن يخدم مصالح إريتريا، بل قد يجر البلاد إلى مواجهة لا مصلحة لها فيها، ويعيد المنطقة بأسرها إلى دوامة من الحروب التي دفع شعبا البلدين ثمناً باهظاً لها في الماضي. إن الواجب الوطني يقتضي أن تنحصر مهمة قوات الدفاع الإريترية في حماية حدود البلاد وسيادتها ووحدة أراضيها، وألا تتحول إلى طرف في حرب داخلية إثيوبية لا تعني الشعب الإريتري، ولا ينبغي أن تكون له فيها مصلحة تتجاوز الحفاظ على أمنه واستقراره.
علي محمد صالح شوم
لندن – 29/09/2026م



Comments