جرح في الأجفان
- tvawna1
- 35 minutes ago
- 5 min read
بقلم الاستاذ / خالد كجراي
لندن
المقدمة:
تمثل القرية في الرواية فضاءً روائياً خصباً يعبِّر عن الهُوية والمجتمع وتحضر كرمز للإستقرار ومصدراً للقيم الأصيلة، ولا تعدُّ مجرد خلفية جغرافية، بل فضاءً حيويّاً تتشكّل فيه الأحداث كما تُمثل رمزاً للترابط الإجتماعي والنقاء والتشبث بالأرض و مصدر الخير والعطاء للإنسان، إذ يكون الفلاح ملتصق بأرضه، ومجاوراً لأبناء عشيرته .
لقد حظي الريف بالنصيب الأوفر في الإبداعات الروائية، ومنه خرج الروائيون الكبار، وكتبوا عن عالمه وعلاقاته الإجتماعية والعاطفية ومشكلاته وأزماته، بما يدفعنا إلى القول ان الرواية قدمت الريف بكل دقائقه وتفصيلاته وناسه اذ لم تكن القرية بعيدة عن مجريات الأمور السياسية بل يمكننا القول أنها حملت العبء الأكبر فيها فمن القرية خرج الجنود البسطاء ومُدَّت كافة الثورات من أبنائها، الذين ضحوا في سنوات الحرب، وشيدوا في حقب السلام.
تعتبر رواية جرح في الأجفان للأخ علي صالح باكورة انتاجه الثقافي وتجيئ في ثلاثة عشر فصلاً :
تتمحور الرواية حول كافة تفاصيل الحياة اليومية لإنسان القرية الذي يبدأ يومه مع سماع صوت المؤذن في الفجر والذي يصل بسبب السكون إلى كل اطرافها فيستيقظ الكبار ويوقظون الصغار ويذهب الغالبية لجامع القرية ويبقى ذوي الأعذار ليصلون الفجر في دورهم.
تدب الحياة في القربة وتبدأ النسوة في تجهيز القهوة لبعولتهن وبعدها تسمع جلبة الأواني متناغمة كموسيقا تعزفها جوقة محترفة ، أوار النار ،صوت لتَّ الدقيق وعجنه تحاكي الضرب الخفيف على الدفوف ، الجلبة في حظيرة الماشية وشَخْب( صوت الحليب عند حلبه ) الحليب وثغاء صغار الماعز عند الحلب لعمل الشاي بالحليب بعد شروق الشمس للصغار .
العمل في المزارع والنفير عند الحصاد ، الذهاب للمدينة بالعربة الوحيدة التي يقف سائقها كل مرة أمام مجموعة من الحيشان لينادي على الركاب الذين يصعدون الى مؤخرة العربة التي لا تخلو من عدد من البهائم وجوالات الذرة وزنابيل بعض المنتجات البلدية لبيعها في سوق المدينة ويركب في الأمام علية القوم كشيخ القرية او المعلم او معلمة المدرسة والممرض الوحيد في القرية.
تزخر الرواية بالتفاصيل الحميمة بين افراد القرية والإحترام بين افرادها والعلاقات البعيدة عن المصالح المادية فالبساطة هنا والرضى هي ديدن الكل.
كيف تعيش ايامها في الليالي المقمرة ، عند هطول المطر ، في الأفراح والأتراح، كل هذه الأمور تطوف الرواية بنا حولها وترسمها لنا في شخوصها متلازمة ومتماهية مع كل الأحداث الكبيرة في الوطن الكبير من انتصارات الثورة الى انكساراتها والى نهاية المسير ببزوغ شمس الحرية والإستقلال الذي لم يغير شيئاً من طبيعة أهلها.
من خلال المرور السريع لضرورات الزمن استطيع القول ان الأستاذ علي صالح قد حالفه التوفيق في تصوير الحياة في القرية بكافة فضائها الجغرافي وشخوصها ورسم لوحة زاهية ومتنوعة لكل نبضٍ فيها من العلاقات الإجتماعية في إطارها المحدود إلى الطموحات الذاتية والتطلعات الوطنية لساكنيها.
ففي الفصل الأول نجد انفسنا في قرية الشيخ حسان الواقعة جنوب مدينة هيكوتا والتي تفرد جناحيها على الضفاف الشرقية لنهر القاش وتتكئ على خاصرة جبال تيتالو ودور شيخها في فض النزاعات بين المتخاصمين حتى من القرى الأخرى في المسجد . كما يتناول الكاتب في الفصل الثاني كل ما يتعلق بالعلاقات الحميمة التي تكبلها الأعراف القبلية ( فالبنت لإبن عمها ) وتنتهى عندها كل قصص الحب بغصة في القلب.
يتحول الكاتب في كل من الفصل الثالث والرابع والخامس الى تاريخ الثورة في ارتريا ، البدايات التي كان انسان الريف هو اول من حماها وكان سبباً في صمودها وتوسعها ، ايضاً الى التناحر بين قواها ( الحرب الأهلية في السبعينيات ) وصولاً الى النهايات وفي هذه الفصول تنحى الرواية نحو السياسة ودروبها المتعرجة والمتضادة ولكن لا تخلو من الحب بين رشيد المقاتل السابق وشاكات تلك العلاقة التي لم تكتمل لمرض شاكات الذي انتهى بوفاتها.
العودة الى الوطن بعد التحرير ومشاكل المطالبة بالأرض او الحقوق الأخرى نجدها في الفصل السادس والسابع والثامن في شخص رشيد الذي عاد متنكراً في شخصية راعٍ- والذي نكتشف انه كان قائداً عسكريّاً كبيراً أصيب في ساقه في إحدى معارك حرب التحرير نهاية سبعينيات القرن الماضي- وككل من عاد من عقود اللجوء وما صادف غير الأسى.( كما قال رشيد عند مخاطبته لمبراق مسؤولة الأراضي "الجندي مجروح في الحرب والسلم سيدتي" ) فالسعي بين مكاتب الحكومة والمحاكم قد ارهق الكثيرين لإثبات ملكيتهم لأرض او بيت او مزرعة .
تعود السياسة أيضاً بقوة في الفصل الثامن من خلال الغضب العارم لرشيد على القادة الذين عادوا الى اسمرا والذين اصبحوا مؤيدين للحكومة كما تطلّ قضية اعتقال ذوي الشباب الهاربين من جحيم معسكر ساوا ومساءلة أجهزة امن النظام التضييق عليهم ومطالبتهم بإحضارهم.
اذا ولجنا الى الفصل التاسع نجد انفسنا مع رشيد - الشخصية المحورية الرواية - في وهران ارتريا ، المدينة التي ما زالت تسدد فاتورة عصيانها سواء للمحتل الذي شمخت امامه وهو يعلق جثامين الشهداء فيها او النظام الحالي الذي يتقصدها بالإهمال المتعمد .
"وجدت المسجد ولباب ابو عيسى " هذا كان رد رشيد عندما إلتقى بصديقه رمضان في بارنتو وسأله عمّا وجد في اغردات ، نجد هنا رمزية المسجد كصرح يجسد الشموخ والصمود ويقف حائلاً أمام الإلغاء ورمزية الإسم إن تعمقنا إكثر ، هكذا يبدأ الفصل العاشر ويظهر تقلب النفوس بين الشيئ ونقيضه في العلاقة بين رشيد ومبراق السلطة من جهة والأنثى من جهة أخرى مما يدل على نقاء سريرة رشيد
تعرج بنا الرواية الى في الفصل الحادي عشر إلى لحظة فارقة في تاريخ ارتريا ،جسدت قراراً صعباً اتخذه القائد حامد ادريس عواتي الذي كتب اسمه في سفر النضال الإرتري بأحرف من نور عندما وقف صلباً كصخور ادال أمام المحتل واعلنها ثورة وطلقة مدوية تناغم معها الشعب الإرتري في الفاتح من سبتمبر 1961م ، كل ذلك التاريخ الناصع تذكره رشيد وهو في الطريق الى مدينة هيكوتا وان وجد الحاضر سوداويّاً في طريقه إليها من خلال رؤيته لجموع من المواطنين يحملون الحجارة الكبيرة ولم يعرف ان كانوا سجناء او من الذين يؤدون الخدمة الوطنية. كما يسلط الكاتب الضوء على حياة الرعيل الأول من المناضلين من خلال شخصية حماد ابو هدل الذي عاد الى مدينته بعد التحرير .
تتجلى في الفصل الثاني عشر جدلية التناقض بين علم الثورة وعلم الحكومة وتأخذ عند رشيد موقفاً شديد الرفض حين يخاطبه قائلاً: رفرف تحت سماء لا تألف تشكيلك ، فلونك الأحمر من شرائط شراييننا مصبوغ بدم الوريد .
لا يكتفي بهذا بل يزيد ( أخبرنا بأي لسان نخاطبك، فلا لغتك تشبه لغتنا ولا لونك يشبه لون سمائنا ، فإننا لا نألف الوانك الغريبة) كل ذلك في طريقه من هيكوتا الى تسني المدينة التي تعجّ بمخبري النظام وهو يتهيئ للعودة الى كسلا ولكن تكمن في دهاليزها ما تختزنه الذاكرة من ايام النضال الأولى وتفرق الرفاق بين الفصائل المختلفة فهاهو كفلوم الجنرال المسؤول عن امن المدينة يستقصي عن رشيد بعد مغادرته لتسني ليستعيد ذكريات الأيام التي كانا فيها معاً في الميدان وكان رشيد قائده في الجبهة .
تسدل الرواية الستارة في الفصل الثالث عشر والذي تصل فيه احداثها الى النهايات المفترضة من تذوق الجنرال كفلوم عذابات السجن التي اذاقها للكثيرين بعد ان وصلت للسلطة الأخبار بأنه يلتقي مع بعض المناضلين القدماء من الجبهة وقالت السلطات بأنه قد توفي في السجن ولا يعرف ان كان قد قتل ام انتحر وأيضاً غادرت مبراق ارتريا وهاجرت الى استراليا لعدم شعورها بالأمان بعد أن إلتقت في اسمرا بالجنرال كفلوم وسألها عن رشيد وعادت اليها ذكرى استشهاد حبيبها تخلي وراودها الشك بأنه ربما قد قتل تصفية من امثال الجنرال كفلوم خاصة وان الرصاصة قد اصابته في رأسه من الخلف في احدى المعارك كما ذكر لها احد أصدقائه.
ختاماً تعبر الرواية بصدق عن انكسار الحلم بعد تحرير ارتريا اذ وجد الشعب نفسه أمام نظام بوليسي يعدّ على الناس انفاسهم وحول البلد الى سجن كبير لكل فئات المجتمع وشرّد الشباب الذين فضلوا الموت على رمال الصحارى وامواج البحار ناشدين حياة حرة بديلاً عن حياة القهر والإذلال التي وجدوها في وطنهم.
* كان تدشين الرواية ضمن المهرجان الثقافي السنوي السادس الذي أقامته دار لندن للطباعة والنشر في يوم الإحد الموافق 14/06/2026 لتواقيع إصداراتها الجديدة لنخبة من الكتاب والمفكرين في المركز الثقافي الأيرلندي بمنطقة همر اسميث.
خالد كجراي
لندن في ١٤ يونيو ٢٠٢٦م



Comments