ببالغ الأسى وعميق الحزن، تلقّينا نبأ وفاة المغفور لها بإذن الله، أم عبده عرفات سعد محمود تيدروس، التي وافتها المنية في ألمانيا، وانتقلت إلى جوار ربها،
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على رسول الله، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا طيبًا مباركًا.
إلى جنات الخلد، أم عبده عرفات سعد محمود تيدروس أرملة المغفور له بإذن الله المحامي أبو عبده محمود إبراهيم هنقلا
قال الله تعالى:
﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.
سورة آل عمران، الآية 185.
ببالغ الأسى وعميق الحزن، تلقّينا نبأ وفاة المغفور لها بإذن الله، أم عبده عرفات سعد محمود تيدروس، التي وافتها المنية في ألمانيا، وانتقلت إلى جوار ربها، بعد حياة حافلة بالعطاء والمواقف الوطنية المشرفة، تاركةً وراءها سيرةً طيبةً وذكرياتٍ عطرةً في نفوس كل من عرفها وعاشرها.

والفقيدة هي أرملة المغفور له بإذن الله المحامي أبو عبده محمود إبراهيم هنقلا شقيق الشهيد القائد البطل إدريس إبراهيم هنقلا، وشقيقة الشهيد البطل عثماني سعد محمود تيدروس، المعروف بأبي عفان، رحمهم الله جميعًا رحمةً واسعة.
امرأة من طراز المناضلات الصادقات:
عرفتُ الفقيدة منذ سبعينيات القرن الماضي، حين كان المحامي أبو عبده محمود هنقلا يصطحبني إلى منزله العامر خلال الإجازات، حيث كانت تستقبلني بترحاب وكرم يعكسان أصالة معدنها ونبل أخلاقها.
ولم تكن أم عبده امرأةً عادية في زمنٍ استثنائي؛ فقد كانت صاحبة موقف، وشجاعةً في الحق، ومخلصةً لوطنها وقضيته. عرفتها ناشطةً وطنيةً فاعلة، تعمل بإيمان راسخ وإخلاص عميق، وتؤدي دورها في خدمة الجبهة بكل أمانة وتفانٍ، دون أن تثنيها المخاطر أو تثقل عزيمتها الصعاب.
وكانت تعرف أخي صالح سيد حيوتي، وقد اضطلعت بدور وطني مهم في جمع التبرعات والاشتراكات من التجار الوطنيين، ثم نقلها إلى قيادات الجبهة في الميدان، لتعود محمّلةً بالمنشورات ورسائل الشكر إلى كل من أسهم في دعم القضية.
لقد كانت، رحمها الله، مثالًا للمرأة الشجاعة الأمينة، التي لم تكتفِ بالإيمان بقضية وطنها، بل جعلت من إيمانها عملًا وتضحيةً ومبادرة. وقد نشهرت إذاعة الحكومة، بعد التحرير، عبر حلقات عدة، على جوانب من نشاطها الوطني، وما قدمته من دعم مالي، وما تحلّت به من شجاعة وجرأة وإخلاص وحب لوطنها.
وما أعظم أن يترك الإنسان وراءه سيرةً تشهد له، ومواقفَ تتحدث عنه، وأثرًا يبقى حيًّا في ذاكرة الوطن وأبنائه. إن أم عبده واحدة من أولئك الذين لا تُقاس أدوارهم بما نالوا من أضواء، بل بما بذلوا من جهد، وما احتملوا من مخاطر، وما قدموا من تضحيات في سبيل قضية آمنوا بها.
من أسرةٍ تشربت حب الوطن:
تنتمي الفقيدة إلى أسرة وطنية عريقة، كان لعدد من أفرادها حضور بارز في مسيرة النضال الوطني؛ فوالدها كان من رؤساء الجماهير الذين خدموا الجبهة، وشقيقها الشهيد أبو عفان كان من قياداتها، رحمهم الله جميعًا.
كما كانت أخواتها زوجاتٍ لعدد من الرجال الذين ارتبطت أسماؤهم بمسيرة النضال، ومنهم القائد الشهيد محمد آدم إدريس آري، المعروف بآدم قصير، أحد رفاق الشهيد البطل عواتي ومن جماعة الفاتح من سبتمبر 1961م، وكذلك الشهيد محمد عافة محمد إدريس حاج،وهو ابن عم الشهيد البطل اللامع سليمان موسى حاج، والشهيد الفدائي الشهير سعيد صالح، الذي قاد مجموعةً من الفدائيين الأبطال في اقتحام سجن عدي خالا وإطلاق سراح سجناء الجبهة.
رحم الله أولئك الأبطال جميعًا، وجزاهم عن وطنهم وأهلهم خير الجزاء.
إن رحيل أم عبده ليس فقدًا لأسرتها ومحبيها فحسب، بل هو استحضارٌ لصفحة من صفحات تاريخٍ سطّره رجال ونساء آمنوا بوطنهم، فبذلوا من أجله المال والجهد، وواجهوا المخاطر بثبات، وظلوا أوفياء لمبادئهم في أحلك الظروف.
رحلت أم عبده، لكن المواقف الصادقة لا تموت، والسير العطرة لا تطويها الأيام، وأثر الأوفياء يظل شاهدًا عليهم ما بقي في الذاكرة قلبٌ ينبض بالوفاء. وإن كانت قد غادرت دنيانا، فإن ما قدمته من عطاء وتضحيات سيبقى جزءًا من سيرتها التي تستحق أن تُروى للأجيال، وأن يُحفظ لها مكانها في ذاكرة الوطن.
رحمكِ الله يا أم عبده، يا صاحبة المواقف الشجاعة، ويا ابنة الأسرة الوطنية الأصيلة. رحم الله فيكِ صدق الانتماء، ونبل العطاء، وشجاعة الموقف، وجعل ما قدمتِه في سبيل وطنك في موازين حسناتك.
ولا نقول إلا ما يرضي الله ورسوله:
إنا لله وإنا إليه راجعون، وإنا لفراقك لمحزونون.
وداعًا يا أم عبده، يا ابنة الوطنية الشامخة، ويا صاحبة العزيمة الصلبة والإرادة الحديدية. نسأل الله أن يجعل مثواكِ الجنة، وأن يجمعكِ بمن سبقوكِ من الشهداء والصالحين في مستقر رحمته.
اللهم ارحمها واغفر لها، وعافها واعفُ عنها، وأكرم نُزلها، ووسّع مُدخلها، واغسلها بالماء والثلج والبرد، ونقِّها من الذنوب والخطايا كما يُنقّى الثوب الأبيض من الدنس.
اللهم اجزها عن إحسانها إحسانًا، وعن تقصيرها عفوًا وغفرانًا، وتغمّدها بواسع رحمتك ورضوانك، واجعل قبرها روضةً من رياض الجنة، وآنس وحشتها، ونوّر مرقدها، واجعل ما قدمته من أعمال الخير والعطاء الوطني في ميزان حسناتها.
اللهم انقلها من ضيق اللحود والقبور إلى سعة الدور والقصور، في جناتٍ تجري من تحتها الأنهار، في سدرٍ مخضود، وطلحٍ منضود، وظلٍّ ممدود، وماءٍ مسكوب، وفاكهةٍ كثيرة، لا مقطوعةٍ ولا ممنوعة، مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
اللهم اربط على قلوب أهلها وذويها ومحبيها، وألهمهم الصبر والسلوان، واخلف عليهم في مصابهم خيرًا، ولا تحرمهم أجرها، ولا تفتنهم بعدها، واغفر لنا ولها ولسائر موتى المسلمين.
إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
بقلم الاستاذ / عيسى سيّد محمد


Comments