اللغة العربية في إريتريا محاولات طمس وصراع الوجود
- tvawna1
- 23 hours ago
- 7 min read
بقلم جوَّك آداب مايو 14, 2026

يتحدث الشعب الإريتري اللغة العربية على الرغم من التعدد اللغوي، وتبلغ نسبة المتحدثين بالعربية في إريتريا نحو 70%. وعلى الرغم من ذلك أن اللغة العربية في إريتريا هي اللغة الأولى بين تسعة لغات تنتشر في إريتريا؛ فإنه توجد محاولات للنيل من اللغة العربية على مستوى الوجود والهوية الإريترية.
وهو ما يظهر في الإجراءات الممنهجة التي يتخذها النظام الحاكم للقضاء على اللغة ومساعي طمس اللغة العربية. وتثبيت اللغة اللغة التغرينية أو التجرينية على جميع المستويات الرسمية.
في هذا المقال نكشف أسباب محاربة اللغة العربية في إريتريا، ونستعرض تاريخ إريتريا الثقافي، ونلقي الضوء على الإجراءات التي تحاول النيل من وجود اللغة العربية ومكانتها التاريخية في إريتريا؛ لنفهم معًا حقيقة تاريخ إريتريا وقوة لغة الضاد أمام أشرس مساعي طمس الهوية، ونجيب عن: ما هي اللغة الرسمية في إريتريا؟
تنوع القوميات في إريتريا ولغة إريتريا الأم
يتمتع الشعب الإريتري بتنوع كبير في تركيبته، فيضم عددًا من القوميات في إريتريا التي بدورها تتحدث لغات مختلفة، وصلت في بدايات القرن العشرين إلى تسع لغات، لكن معظم هذه اللغات يمكن عدها لهجات محلية تتمسك بها بعض القوميات التي تعيش في إريتريا. في حين تبرز اللغة العربية أكثر اللغات استخدامًا بنسبة تصل إلى 70%.
بسبب أن الغالبية العظمى من سكان إريتريا يدينون بالدين الإسلامي، وعلى هذا يرتبطون بالقرآن وتعلم اللغة العربية، وبجانب اللغة العربية، تبرز اللغة التغرينية أحد اللغات المهمة في إريتريا التي يتحدث بها عدد كبير من القوميات المنتشرة في البلاد.
عمل الباحثون على تقسيم اللهجات واللغات في إريتريا وقد وضعوها في ثلاثة أصناف رئيسة:
الصنف الأول يضم اللغات السامية الذي يضم اللغة التغرينية واللغة العربية.
الصنف الثاني يضم اللغات الكوشية الحامية مثل لغة (الحدارب) ولغة (البلين) وهي لغات ولهجات خاصة ببعض القبائل الإريترية.
الصنف الثالث يضم اللغات النيلية وهي لهجات تنفرد بها الأقليات العرقية النيلية، لكنها تمثل نسبة قليلة من التعامل بين السكان في إريتريا.

تاريخ اللغة العربية في إريتريا وجذورها العميقة
قد يظن كثير من الناس أن تاريخ اللغة العربية في إريتريا ظهر بسبب دخول الإسلام، لكن العلاقات التجارية بين إريتريا وشبه الجزيرة العربية تعود إلى نحو 3000 عام على ضفاف البحر الأحمر، وهو ما جعل للغة العربية وجودًا وتأثيرًا كبيرًا في الثقافة الإريترية القديمة.
ما هي ديانة أغلبية سكان إريتريا؟
كان ظهور الإسلام سببًا في توطيد العلاقة بين الإريتريين واللغة العربية؛ لأن كثيرين منهم دخلوا في الإسلام. وتكرار الهجرات العربية من شبه الجزيرة العربية إلى الحبشة، مرورًا بعهود الخلافة الإسلامية التي سيطر فيها المسلمون على البحر الأحمر ونقلوا الثقافة العربية إلى وسط إفريقيا.
ومنذ سنوات الإسلام الأولى أصبحت اللغة العربية ذات أهمية كبيرة في المعاملات والمكاتبات في إريتريا، وأصبحت بعد وقت قليل لغة الدراسة والعقود، وانتشرت الكتب والمخطوطات باللغة العربية، حتى لإن الكنيسة الإريترية تأثرت أيضًا باللغة العربية وأصبحت تستخدمها في المعاملات والمكاتبات، فكتبت المخطوطات والكتب المسيحية باللغة العربية.
وبذلك لم تكن اللغة العربية لغة أو لهجة تتحدث بها بعض القوميات والأقليات في إريتريا، وإنما كانت اللغة الأكثر استخدامًا منذ قرون طويلة، وفي عهد الاحتلال الإيطالي، كانت تدرس في المرحلة الابتدائية.
وفي عهد الاحتلال البريطاني انتشرت المدارس التي تدرس اللغة العربية وتعمل على تحفيظ القرآن في عموم البلاد، وهو ما جعلها تحظى بمكانتها الدستورية بعد إنشاء أول دستور لإريتريا.
تهميش لغة الضاد في الدستور الإريتري
على المستوى الرسمي، ولمن يسأل: ما هي اللغة الرسمية في إريتريا؟ فإن الدستور الإريتري الأول في البلاد قد اعتمد: كلًا من اللغة العربية واللغة التجرينية لغتين رسميتين للبلاد، وهو ما صادقت عليه الأمم المتحدة عام 1952. مع الإقرار الداخلي من البرلمان الإريتري، وهو ما توافق مع كونهما اللغتين الأكثر انتشارًا في البلاد مع استخدامهما في المعاملات الرسمية والنشاطات الحكومية.
وعندما احتلت إثيوبيا إريتريا وتكرَّس الاحتلال الإثيوبي لإريتريا عام 1962، ألغت السلطات الإثيوبية التعامل باللغتين العربية والتجرينية لغات رسمية. ومنعت تدريس اللغتين في المدارس، وذلك بغرض فرض استخدام اللغة الأمهرية ونشرها في البلاد.
ومع تصاعد الكفاح الإريتري ضد الاحتلال الإثيوبي، كان الإريتريون يتمسكون باللغة العربية ويعدونها من الثوابت الوطنية وجزءًا من الهوية الإريترية.
حتى من الفصائل التي تتحدث لهجات ولغات أخرى، وهو ما شهد مساندة كبيرة من الدول العربية، حتى تحرير إريتريا عام 1991 والإعلان عن استقلالها رسميًّا عام 1993. ومع سيطرة الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا على السلطة في البلاد، اتخذت موقفًا معاديًا للغة العربية.
هل اللغة العربية لغة رسمية في إريتريا؟
تساؤل يطرح قضية تثير الجدل حاليًّا، فقد ظهر الاستبعاد في خطابات الرئيس وقتها (أسياس أفورقي). إضافة إلى التعديلات التي شهدها الدستور الإريتري الجديد الذي اعتمد عام 1997. فلم تعد اللغة العربية لغة رسمية في البلاد، وأشار الدستور إلى أن كل اللغات الإريترية تتمتع بمساواة دون أفضليّة.
وبذلك أصبحت قضية اللغة العربية في إريتريا مسألة وجود وهوية، ليس فقط في الوضع القانوني والدستوري. ولكن مع تصاعد النقاشات والمطالبات من جماعات مناهضة للغة العربية داخل إريتريا، وذلك بغرض التقليل من استخدامها حتى تفقد أهميتها كلغة الأغلبية لمصلحة لغات ولهجات أخرى ضمن مسلسل طمس الهوية.
مظاهر وأسباب طمس اللغة العربية والهوية الإريترية
لا تُعد الحرب على اللغة العربية في إريتريا مسألة جديدة، وإنما هي قضية ممتدة إلى منتصف القرن العشرين، فقد تعرضت لاضطهاد كبير من جانب الاحتلال البريطاني.
ولفهم أسباب محاربة اللغة العربية في إريتريا، فإن البداية كانت من بريطانيا حينما سعت لإبعاد العربية عن المناهج التعليمية، وذلك بتدريس اللغة الإنجليزية واللغة التغرينية فقط وعد اللغة العربية بعد ذلك لغة إضافية، إضافة إلى اعتماد ميزانيات كبيرة لتدريس التجرينية وإهمال العربية.
وقد وقف العرب وأنصار اللغة العربية من الإريتريين موقفًا هائلًا أمام الاحتلال البريطاني دفاعًا عن اللغة العربية.
ثم إن الحركة الوطنية الإريترية وقفت موقفًا حازمًا ووضعت اللغة العربية ضمن أولوياتها جزءً من الهوية الإريترية، ولعل النقاشات الحامية والصراع الكبير الذي شهده إعداد الدستور الإريتري الأول عام 1952 يعد دليلًا على التربص باللغة العربية ومساعي طمس اللغة العربية.
فكان أنصار الاتحاد مع إثيوبيا -الذين أطلق عليهم (الكتلة الانضمامية)- يصرون على أن اللغة العربية هي لغة أجنبية، وكانوا ينادون باعتماد اللغة التجرينية ومعها اللغة الأمهرية لغتين رسميتين للبلاد، وفي ظل الاحتلال الإثيوبي لإريتريا كانت الرغبة واضحة بالقضاء على اللغة العربية واعتماد اللغة الأمهرية لغة رسمية للبلاد.
إضافة إلى إجراءات عدة مثل منع استيراد الكتب العربية ومصادرة أي منشور أو كتاب أو مخطوط باللغة العربية، إضافة إلى إبعاد وزير المعارف الاريتري (السيد سعيد سفاف) بعد استيراد مجموعة من الكتب العربية من القاهرة. مع إصدار الأوامر بإحراق الكتب، فغيرت السلطات الأثيوبية جميع العناوين واللافتات العربية والتجرينية إلى لافتات إنجليزية وأمهرية.
وبعد استقلال إريتريا، لم تسلم اللغة العربية من محاولات النيل من مكانتها التاريخية، فحاولت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا إبعاد اللغة العربية بتجنب الإشارة إليها في الدستور الجديد عام 1997، ثم إن الرئيس الإريتري أسياس أفورقي كان من أهم المعارضين لأن تكون اللغة العربية هي اللغة الرسمية للبلاد لتكريس خطة طمس الهوية.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك وإنما شرعت الحكومة في القضاء على اللغة العربية بطرائق عدة تفسر أسباب محاربة اللغة العربية في إريتريا. بخطتها وبرامجها التي تستهدف التغيير الديموغرافي للسكان واستعمال اللغة التغرينية في المؤسسات الحكومية. وإغلاق المدارس العربية في غرب البلاد إضافة إلى طباعة المناهج باللغة التجرينية.
هل تنجح محاولات القضاء على اللغة العربية في إريتريا؟
على الرغم من كل الهجمات التي تستهدف مكانة اللغة العربية في إريتريا ومحاولات القضاء عليها؛ فإنه توجد أمور تجعلنا نقول إنه من الصعب القضاء على اللغة العربية في إريتريا:
الدين الإسلامي: لأن اللغة العربية ترتبط بالإسلام الذي يدين به معظم سكان إريتريا؛ لذا فهي جزء من هويّة وثقافة الأغلبية عبر تاريخ إريتريا.
امتداد القبائل الإريترية بعمق في الأراضي السودانية: وهو ما يجعل القضاء على اللغة العربية صعبًا، ويتطلب الدخول إلى عمق السودان، وهو أمر مستبعد.
التواصل الكبير بين المجتمع الإريتري والمجتمع العربي: على مستوى الفن والثقافة والأدب والدين وتبادل المعرفة، وهو أمر يتم باللغة العربية.

هل إريتريا يتكلمون عربي؟
إذا كان التوجه السياسي في إريتريا يدفع بكل طاقته لمحو اللغة العربية؛ فإن الواقع الثقافي والاجتماعي والديني يدفع في اتجاه آخر لمصلحة اللغة العربية التي يتحدث بها 70% من سكان إريتريا. وفي الأخير، فإن الخطر على اللغة العربية في إريتريا لا يزال كبيرًا، ويتطلب كثيرًا من المساندة والدعم من الدول العربية.
وربما كان هذا المقال الذي بين يديك هو نوع من أنواع الدعم والإشارة إلى مواطن الخطورة، حتى لا يأتي ذلك اليوم الذي نندم فيه على أننا لم نتدخل في الوقت الصحيح.
لغة الضاد هي الدرع الحصين للهوية
بصفتي باحثًا في التحولات الثقافية العربية، أرى أن صمود اللغة العربية في إريتريا هو درس تاريخي يؤكد أن الهويات لا تُمحى بقرارات إدارية.إن محاولات الإحلال والتغيير الديموغرافي التي مورست على الشعب الإريتري تحطمت أمام وعي ثقافي وديني عميق يدرك أن العربية ليست لغة وافدة، بل لغة حضارة ووجود.نصيحتي للقارئ العربي والمؤسسات الثقافية: كسر العزلة الثقافية عن إريتريا واجب قومي؛ يجب تعزيز المحتوى العربي الرقمي الموجه للقرن الإفريقي لدعم تمسكهم بأصالتهم وتاريخهم.
هل تُتحدث اللغة العربية في إريتريا؟
نعم، تُتحدث اللغة العربية على نطاق واسع جدًّا في إريتريا، وتُعد اللغة الأولى في الانتشار والاستخدام بين مختلف مكونات الشعب الإريتري، سواء في المعاملات اليومية أو الثقافية.
نسبة المتحدثين باللغة العربية في إريتريا؟
تصل النسبة إلى نحو 70% من إجمالي سكان إريتريا، ويرجع هذا الانتشار الواسع إلى ارتباط الغالبية العظمى من السكان بالدين الإسلامي، إضافة إلى الجذور التاريخية والتجارية العميقة.
ما اللغات الرسمية في إريتريا؟
تاريخيًّا، في دستور 1952، كانت العربية والتغرينية هما اللغتين الرسميتين. أما حاليًا (وفق دستور 1997 للنظام الحاكم)، فلا ينص الدستور على لغة رسمية محددة، بل يقر بمساواة جميع اللغات المحلية (نظريًّا)، على الرغم من الاعتماد الفعلي والتوجه الحكومي لفرض اللغة التغرينية.
هل تعد إريتريا دولة عربية؟
جغرافيًّا وسياسيًّا، إريتريا ليست عضوًا في جامعة الدول العربية. لكن ثقافيًّا وتاريخيًّا ولغويًّا، تُعد امتدادًا عميقًا للعالم العربي، فيتحدث أغلب سكانها العربية وتشارك العرب روابط دينية واجتماعية وتاريخية راسخة.
كم نسبة المتحدثين باللغة العربية في إريتريا؟
تُقدر النسبة بنحو 70%، ما يجعلها اللغة الأكثر هيمنة على مستوى التواصل الشعبي والديني في البلاد، متفوقة على باقي اللغات واللهجات المحلية.
هل الشعب الإريتري يتحدث اللغة العربية؟
بالتأكيد، الغالبية الساحقة من الشعب الإريتري تتحدث وتفهم اللغة العربية بطلاقة، وتعد جزءًا لا يتجزأ من هويتها الوطنية والدينية، على الرغم من التحديات والمحاربة السياسية.
ما ديانة أغلبية سكان إريتريا؟
يدين غالبية سكان إريتريا بالدين الإسلامي، وهو السبب الرئيس والمحوري في تمسك الشعب الإريتري باللغة العربية كلغة للقرآن الكريم ولغة للثقافة والتواصل.
لماذا تُحارب اللغة العربية في إريتريا؟
تُحارب لأسباب سياسية بحتة؛ بهدف إحداث تغيير ديموغرافي، وطمس الهوية الثقافية والإسلامية للبلاد، وفصل إريتريا عن محيطها العربي، واستبدالها باللغة التغرينية لتعزيز نفوذ سياسي وقومي معين على حساب الأغلبية.
ختامًا، إن ثبات اللغة العربية في إريتريا يمثل قصة كفاح حقيقية لحماية التاريخ والتراث من مساعي الإقصاء الممنهج، لقد استعرضنا معًا كيف يواجه الشعب الإريتري محاولات طمس الهوية متمسكًا بلغة الضاد جزءًا أصيل من ثقافته والهوية الإريترية.
شاركنا برأيك في التعليقات: ما الدور الذي يجب أن تؤديه المؤسسات الثقافية لتعزيز ودعم مكانة اللغة العربية في منطقة القرن الإفريقي؟ المصدر >>>>>


Comments