القرن الأفريقي بين سوء التقدير وصدام المصالح

الخميس 15-10-2026
جمال طه تمرد القوميات العرقية الإثيوبية على الحكومة تزامن مع انهيار السلام الهش بمقتضى «إعلان السلام والصداقة» المبرم بين «أبى أحمد» و«أسياس أفورقى» ٢٠١٨، والذى أنهى عقدين من الحرب.. قائد الجيش الإثيوبى «بيرهانو جولا» اتهم «إريتريا ومصر والسودان» بدعم التمرد، ونائب رئيس الأركان «أبيباو تاديسى» أكد أن «بلوغ الجيش «ميكيلى» عاصمة تيجراى، مجرد محطة عبور، لأن وجهتنا النهائية «عصب»، وهدفنا رفع علمنا على البحر الأحمر».. إثيوبيا فجرت أزمة بطرد ١٠ دبلوماسيين إريتريين ودبلوماسى مصرى، أسمرة قطعت العلاقات الدبلوماسية، والقاهرة طردت مستشار السفارة الإثيوبية.. ووسط نشوة إعادة انتخابه وتجديد ثقة البرلمان كرئيس للحكومة للفترة الثالثة منذ ٢٠١٨، جدد «أبى أحمد» التزامه بالسعى للحصول على منفذ مباشر على البحر الأحمر.
رسالة إثيوبيا لمجلس الأمن اتهمت إريتريا «بارتكاب عدوان صارخ، يضطرها للدفاع المشروع عن النفس»، الرد الإريترى تضمن أن الأمين العام للأمم المتحدة وعددًا من الدول الأعضاء أصدروا بيانًا مشتركًا فى ديسمبر ٢٠٢٥ بمناسبة الذكرى «٢٥» لاتفاق السلام بين أسمرة وأديس أبابا، أكدوا فيه ضرورة احترام سيادة إريتريا ووحدة أراضيها، لكن إثيوبيا تجاهلته، ما يفرض على المجلس «اتخاذ الإجراءات الردعية المناسبة» باعتبارها تشن حربًا عدوانية غير مبررة.
فى بداية الحرب، سيطرت «جبهة تحرير تيجراى» على الطريق المعبد الوحيد شمال إثيوبيا بإقليم عفر المؤدى لميناء عصب «يبعد ٧٠ كيلومترًا»، ما أمَّن الطريق باتجاه الميناء، الجيش الإثيوبى تقدم لتيجراى واستعاد مطار «ميكيلى»، ودخل المدينة ٤ أكتوبر عقب انسحاب منظم -غامض الأهداف- لقوات تيجراى، بينما تقدمت ميليشيات «فانو» جنوب «وولو» وسيطرت على عدة بلدات استراتيجية بإقليم أمهرة، وقطعت الطريق السريع الشرقى بين أديس أبابا وميكيلى «A٢»، وكذا الطريق الغربى «B٢١» الرابط بين مدن أمهرا الكبرى، وهما خطا الإمداد الرئيسيان للجيش، مما شكل ضغطًا على القوات الفيدرالية بأمهرة، وكشف ظهر القوات داخل تيجراى، وعرقل إمداداتهم.. تيجراى تحولت لمنطقة محاصرة، فقد فيها الجيش حرية المناورة.
أخبار متعلقة
فى ٧ و٨ أكتوبر وردت معلومات عن عبور عشرات الشاحنات -المحملة بالجنود الإريتريين والأسلحة الثقيلة- للحدود، ودخولها بلدتى «أديجرات وإيداغا هموس»، إثيوبيا ادعت توغلهم داخل تيجراى بعمق ٣٠ إلى ٦٠ كيلومترًا، مستندة لتقارير الوكالات وصور الأقمار الصناعية وشهود العيان، دارت اشتباكات بين القوات الإريترية والجيش الإثيوبى، ولكن القوات الإريترية تراجعت تراجعًا منظمًا لتعيد تمركزها على حدودها الدولية، بعد أن استدرجت القوات الإثيوبية للمناطق الجبلية الوعرة والمغارات.. إدارة المعارك تعكس فوارق جوهرية فى الكفاءة وحسن قراءة طبيعة الميدان وتطوراته لغير صالح الجيش الإثيوبى.
تقدير «أبى أحمد» للموقف بدا خاطئًا؛ فجّر اتفاق «بريتوريا» مع ثوار تيجراى ليستأنف المعارك ويوجد مبررًا لحشد الجيش بالإقليم الحدودى مع إريتريا، توطئة للقفز نحو ميناء «عصب»، والوصول للبحر الأحمر، لكنه لم يكن يتوقع أن تتحالف إريتريا -حليفته السابقة- مع عدوتها التيجراى، ولم يتصور أن التيجراى يمكنهم قطع الطريق الدولى السريع «A١» وخط السكك الحديدية الكهربائى لميناء عصب، وتناور بالانسحاب من «ميكيلى» لاستدراج الجيش للإقليم، لتقطع ميليشيات «فانو» طرق إمداداته.. عمق التنسيق والإدارة الميدانية للعمليات فاق توقعاته، لأنه راهن على سرعة اقتحام الأراضى الإريترية وإحداث زلزال داخلى يؤجج الثورة للإطاحة بنظام «أفورقى»، مستندًا إلى ما تردد عن اتصالات أمريكية مع منشقين إريتريين، وادعاء وزير الدفاع الإريترى المنشق «مسفن حقوس» بتفاهماته مع قيادات الجيش، والحقيقة أن محاولات تغيير النظم بالحرب تحشد الجماهير خلف النظام، ولنا فى النظام الإيرانى أوضح مثال.
أمريكا تخشى أن يؤدى نشوب الحرب فى القرن الأفريقى إلى تقويض جهود مكافحة الإرهاب والتأثير على توازن شراكاتها بدول المنطقة، وفتح الباب لتمدد النفوذين الروسى والصينى، لذلك ترفض محاولة إثيوبيا احتواء التمرد الداخلى بشن حرب خارجية تعبئ القوميات المختلفة، بعد فقدان السد الإثيوبى فاعليته كأداة حشد، واشنطن لم توجه أى انتقادات لإريتريا، لكن ترامب وصف تمويل واشنطن للسد بالأمر «الغبى»، وأضاف ملمحًا لإثيوبيا «أخذوا كل المياه من نهر النيل»!!، رفض إثيوبيا توقيع اتفاق تسوية أزمة السد خلال رئاسته الأولى يثير حنق ترامب، ويلوح به كأداة ترهيب لها.
عدوانية إثيوبيا تستند لدعم إسرائيل ووكيلتها الإقليمية، اللتين تجمعهما المصالح المشتركة فى تشييد موانئ ومرتكزات تحكم ممرات الملاحة الدولية من مضيق هرمز وبحر العرب لخليج عمان والبحر الأحمر وحتى خليج العقبة، وضمان ولاء واستقرار النظم التى تتبعها تلك المرتكزات، لذلك يدعمان المحاولات الإثيوبية للوصول للبحر، ويساندانها لمواجهة التمرد الداخلى ودعم عملياتها الخارجية، مما يفسر ذلك الجسر الجوى الضخم الذى انطلق من الخليج فور وقوع التمرد.
موقع Ynet العبرى حذر من تصاعد الحرب الإثيوبية/الإريترية وما قد يؤدى إليه من عدم استقرار يهدد الأمن البحرى وما تم ضخه من استثمارات فى الموانئ، ومنصة «ناتسيف» اعتبرت الحرب نتيجة عرقلة «محور مقديشو» المؤيد لمصر «الصومال وإريتريا وتركيا والسعودية» لمصالح «محور بربرة» الذى يجمع إسرائيل وإثيوبيا فى الميناء الذى طورته الإمارات.
القوى الدولية والإقليمية تخشى من أن يؤدى تزامن الحرب بين إثيوبيا وإريتريا مع انفجار حرب اليمن لصعوبة الحفاظ على عمليات المراقبة البحرية، واستغلال شبكات التهريب ذلك لتعزيز أنشطتها غير المشروعة «نقل الأسلحة والمخدرات عبر الممرات البحرية بين السودان والقرن الأفريقى واليمن...»، هذه التهديدات تضع المنطقة على رأس أولويات الأمن القومى للدولة العبرية، وتدفعها لتكثيف دعمها للتمدد الإثيوبى، وتعزيز أنشطتها الاستخباراتية بالمنطقة خاصة «بربرة، عصب، مصوع، وعدن» مما يفرض الحذر لتعارضه مع مصالح الأمن القومى المصرى بالمنطقة. المصدر>>>>>



Comments