top of page

الفنان التشكيلي والمناضل الوطني الكبير محمود جابر دبروم… إلى رحاب ربٍّ كريم

tvawna1
2 minutes ago
3 min read

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾

صدق الله العظيم — سورة البقرة، الآيتان 155–156.

بقلوب مؤمنة بقضاء الله وقدره، ونفوس يعتصرها الحزن والأسى، تلقّينا نبأ رحيل الفنان التشكيلي الكبير والمناضل

الوطني الأصيل، العم محمود جابر دبروم، الذي انتقل إلى جوار ربّه في المملكة العربية السعودية، إثر عارض صحي لم يمهله طويلًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الوطني والإبداع الفني والوفاء للمبادئ والقيم التي آمن بها ودافع عنها طوال حياته.

لقد رحل العم محمود، لكنه ترك وراءه سيرةً تستحق أن تُروى، وذاكرةً وطنيةً تستحق أن تُصان، وأثرًا فنيًا وإنسانيًا سيظل حاضرًا في وجدان كل من عرفه وعرف مواقفه وإسهاماته.

تموت الخيول الأصيلة واقفةً، شامخةً لا تنحني؛ وهكذا كان الراحل العزيز محمود جابر دبروم حتى الرمق الأخير. ظلّ وفيًّا لقناعاته، ثابتًا على مبادئه، صلبًا أمام تقلبات الزمن وعواصف السياسة، لا تُثنيه التحولات، ولا تصرفه المحن عن الطريق الذي اختاره بإيمان راسخ ووعي وطني عميق.

كان الراحل من أوائل الإريتريين الذين انتقلوا إلى المملكة العربية السعودية، وهو في ريعان شبابه، وهناك ارتبط مبكرًا بالعمل الوطني الإريتري، وأسهم في تأسيس أولى الخلايا التنظيمية للعمل الوطني في المملكة، حتى قبل الإعلان عن انطلاق الكفاح المسلح عام 1961.

وقد استقبلت تلك الخلية القيادة الوطنية المؤسسة، ممثلةً في الزعيم الوطني الكبير إدريس محمد آدم، وقدّمت لها دعمًا سخيًا شكّل إحدى البدايات المهمة في مسيرة العمل الوطني الإريتري، وأسهم في تهيئة الظروف التي سبقت انطلاق الكفاح المسلح بقيادة الشهيد البطل حامد إدريس عواتي.

ومنذ تلك البدايات، ظلّ العم محمود مرتبطًا بخطّه الوطني، متمسكًا بالمبادئ التي آمن بها، وفي مقدمتها النهج الوطني لجبهة التحرير الإريترية، محافظًا على وفائه لتاريخه وقناعاته، رغم ما شهدته الساحة الإريترية من انقسامات وتحولات وتحديات. لم يكن ممن تغيّرهم الظروف أو تعصف بهم الرياح، بل ظلّ مثالًا للثبات والوفاء، يحمل ذاكرته الوطنية أينما حلّ، ويعبّر عن انتمائه بالفعل والموقف، لا بالشعارات وحدها.

وإلى جانب نضاله الوطني، كان الراحل فنانًا تشكيليًا مبدعًا، سخّر موهبته لخدمة قضية شعبه، وجعل من الفن وسيلةً للتعبير عن آلام الإريتريين ومعاناتهم، وعن آمالهم وتطلعاتهم إلى الحرية والكرامة والحياة الكريمة. كانت لوحاته مرآةً لوجدان شعبه، تنقل تفاصيل من ذاكرته وتراثه، وتوثّق جوانب من تجربته الإنسانية والوطنية.

ولم يقتصر عطاؤه الفني على الإبداع وحده، بل امتد إلى الاهتمام بالتراث والثقافة الإريترية، والحرص على إبراز ملامحهما للأجيال الجديدة. ولهذا، كانت معارضه الفنية محطاتٍ يلتقي فيها الفن بالذاكرة، والثقافة بالهوية، والتاريخ بالإبداع؛ فاستقطبت المهتمين، وفتحت نافذةً للتعرّف على ملامح من حياة الشعب الإريتري وخصوصيته الثقافية. لقد كان فنانًا يحمل وطنه في وجدانه، ويعبّر عنه بريشته، مؤمنًا بأن الفن ليس ترفًا، بل رسالة ووسيلة لحفظ الذاكرة وصون الهوية.

وعلى الصعيد الشخصي، تربطني بالفقيد صلة قرابة من جهة الوالدة، وهو ما يجعل رحيله أكثر وقعًا في النفس، ويمنح ذكراه مكانةً خاصة في القلب. وقد تحدثت إليه قبيل سفره إلى المملكة العربية السعودية، واتفقنا على اللقاء في منطقة فنسبري بارك شمالي لندن، حيث يجتمع عدد من زملائه وأصدقائه. غير أن الظروف الصحية الطارئة التي ألمّت بي آنذاك حالت دون تحقيق ذلك اللقاء، ولم أكن أعلم أن القدر سيحول دون لقائنا مرة أخرى، وأن الموعد الذي انتظرناه سيبقى أمنيةً مؤجلةً في الذاكرة.

واليوم، وأنا أتلقى نبأ رحيله، أشعر بغصّة الفراق، وأستعيد تلك المحادثة الأخيرة، وأتمنى لو أن الظروف أتاحت لي لقاءه والاستماع إليه والحديث معه مرةً أخرى. لكن عزاءنا أن الرجال الذين يخلصون لوطنهم، ويتركون أثرًا في حياة شعبهم، لا يغيبون برحيل أجسادهم؛ إذ تبقى سيرتهم حيّةً، وتظل مواقفهم وإبداعاتهم شاهدةً على ما قدّموه، وتتناقل الأجيال ذكراهم بما يستحقونه من تقدير ووفاء.

رحم الله العم محمود جابر دبروم، الفنان المبدع، والمناضل الوطني، والإنسان الوفيّ لمبادئه ووطنه. نسأل الله تعالى أن يتغمّده بواسع رحمته ومغفرته، وأن يسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا، وأن يجعل كل ما قدّمه لشعبه ووطنه، وكل ما خلّفه من إبداع وعطاء، في ميزان حسناته، وأن يلهم أهله وذويه وأصدقاءه ورفاق دربه جميل الصبر وحسن العزاء.

عزاؤنا أن الراحل لم يكن مجرد فنان يرحل، ولا مجرد مناضل يغيب، بل كان جزءًا من ذاكرة وطن، وشاهدًا على مرحلة من مراحل نضال شعبه، وصاحب رسالة عبّر عنها بمواقفه وريشته، وظلّ وفيًّا لها حتى آخر أيامه.

نم قرير العين، أيها العم العزيز؛ فقد رحلت عن دنيانا، لكن ذكراك ستبقى حاضرةً في وجدان محبيك، وفي ذاكرة شعبك، وفي كل أثر جميل تركته خلفك.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

بقلم الاستاذ / علي محمد صالح شوم

لندن — 22 أكتوبر 2026

Comments


bottom of page