top of page

الشيخ الدكتور عبده محمود زايد إدريسسيرة حياة ومسيرة عطاء

  • tvawna1
  • Jun 9
  • 10 min read

الشيخ الدكتور عبده محمود زايد إدريس

سيرة حياة ومسيرة عطاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله المتفرد بالبقاء، وسبحان من كتب على عباده الفناء

تعد الكتابة عن أهل الفضل والعلم لونًا من ألوان الوفاء، وتوثيقًا لمسيرة رجالٍ تركوا أثرًا طيبًا في مجتمعاتهم، وأسهموا في خدمة العلم والدعوة والتربية. ومن هؤلاء الشيخ الدكتور عبده محمود زايد المعروف بكنيته أبي محمود، الذي امتدت رحلته بين بيئات العلم والتربية منذ نعومة أظفاره حتى نيله أعلى الدرجات العلمية.

وما هذه الصفحات إلا وفاءٌ مستحق لرجلٍ عرفته أخًا وصديقا،

وعرفت فيه حب العلم مع التواضع وحسن الخلق.

النشأة والبدايات

وُلِد الشيخ الدكتور عبده محمود زايد عام 1966م في مدينة "القضارف" شرق السودان وعاش طفولته المبكرة في مدينة" ود الحليو" على ضفاف نهر سيتيت في مجتمع عُرف بالأصالة والبساطة والتدين الفطري. وفي تلك البيئة الريفية الهادئة التي صاغتها حياة النهر والزراعة والتكافل الاجتماعي، تشكلت ملامح شخصيته الأولى وتفتحت مداركه على قيم العمل والاعتماد على النفس والارتباط بالخلوة والمسجد.

غير أن سنواته الأولى لم تخلُ من الابتلاء؛ إذ فقد والدته في بواكير طفولته، فحُرم مبكرًا من حنان الأم ورعايتها. ثم تزوج والده بعد ذلك، وكان من جميل الوفاء في سيرته أنه لم يكن يذكر زوجة والده إلا بخير، ويثني على ما وجده منها من رعاية وعطف وحسن معاملة، مما ترك أثرًا طيبًا في نفسه، وأسهم في تجاوز آثار ذلك الفقد المبكر.

ونشأ في أسرة كريمة عُرفت بالجد والكفاح، وكان والده الحاج محمود زايد إدريس رحمه الله يعمل مزارعا في موسم الزراعة كما كان يمارس أعمالا إضافية حسب الحاجة ، ساعيًا في طلب الرزق الحلال، فانعكست تلك المعاني على تربية أبنائه وغرست في نفوسهم حب العمل والصبر وتحمل المسؤولية.

وقد تلقى الشيخ عبده محمود تعليمه الأول في الخلوة (الكُتّاب)، حيث نهل مبادئ القراءة والكتابة وتعلم القرآن الكريم في تلك المرحلة المبكرة من عمره. وكان أحد شيوخه آنذاك أبو محمد الشيخ إدريس محمود خليفة، الذي كان ينوب شيخ الخلوة ويتولى تعليم التلاميذ.

وفي تلك البيئة القرآنية المباركة تشكلت اللبنات الأولى لشخصيته العلمية والإيمانية.

كما جمعته مقاعد الكُتّاب برفيقي دربه اللذين استمرت بينهما أواصر المودة والأخوة عبر السنين، وهما الشيخ أبو مصعب بشير مركاب، والدكتور أبو طاهر عبد الرحمن محمود خليفة، حيث تشاركوا جميعًا تلك البدايات الأولى في رحاب القرآن الكريم وكثيرا من مراحل طلب العلم.

ومن تلك الخلوة المتواضعة بدأت رحلة علمية مباركة، قادته لاحقًا إلى معاهد العلم الشرعي والحرمين الشريفين ثم إلى الجامعات والمؤسسات العلمية، ليصبح واحدًا من أبناء تلك المنطقة الذين حملوا رسالة العلم والدعوة، وجمعوا بين الأصالة التي استقوها من بيئتهم الأولى، والتكوين العلمي الرصين الذي اكتسبوه في مراحلهم اللاحقة.

نشأ الشيخ عبده رحمه الله في أسرة متماسكة، وكان له أخ أكبر هو أبوبكر محمود زايد، الذي عمل منذ صغره مساعدًا في بعض الأعمال، ثم عمل لاحقًا سائقًا لباص نيسان على خط القضارف ـ كسلا ـ بورتسودان. وقد توفي في سن مبكرة، وكانت وفاته مفاجئة ومؤثرة في نفس أخيه عبده، الذي تألم لفقده كثيرًا، غير أن المؤمن يسلّم لأمر الله تعالى الذي بيده مقادير الأمور.

من ود الحليو وخشم القربة إلى الحرمين الشريفين

وفي مدينة ود الحليو بدأت مرحلة أكثر انتظامًا في مسيرته التعليمية، حيث التحق بـ معهد النهضة الإسلامي الذي كان يومئذٍ منارة علمية وتربوية بارزة في شرق السودان.

 معهد النهضة الإسلامي وأثره في تكوين شخصيته

تلقى الشيخ عبده علومه الابتدائية في "معهد النهضة الإسلامي" ،1975م وتتلمذ على أيدي نخبة من العلماء والمربين، منهم:

* الشيخ محمد عمر الحاج.

* الشيخ علي داود مدير المعهد.

* الشيخ الحسن محمد طه.

* الشيخ حسب الله.

* الشيخ الفقيه حامد محمد حامدعليتاي .

* الشيخ إدريس أحمد

* الأستاذ محمد نور.

وغيرهم كثير

وقد أسهم هؤلاء المشايخ والمربون في بناء شخصيته العلمية والأخلاقية، حيث تلقى على أيديهم علوم العقيدة والتوحيد، والفقه، والسيرة النبوية، والحديث الشريف، والنحو، ومبادئ الحساب إلى جانب التربية العملية التي تجمع بين العلم والعمل.

وكان المنهج التربوي في المعهد قائمًا على الدعوة الوسطية الهادئة، والتوجيه بالحكمة، والتربية بالأخلاق والقدوة الحسنة، حتى بدا المعلمون وكأنهم آباء بل هم الآباء الروحانيون يتعاهدون أبناءهم بالرعاية والتوجيه، في صورة من التكامل والتعاون قلَّ أن يوجد لها نظير في ذلك الزمان.

واستمر الشيخ عبده محمود في الدراسة بالمعهد حتى عام 1978م، ثم انتقل المعهد إلى مدينة خشم القربة، وانتقل معه لمواصلة دراسته حتى بداية المرحلة المتوسطة

 المسيرة العلمية والمؤهلات الأكاديمية

واصل الشيخ عبده رحلته العلمية بخطوات ثابتة، متنقلًا بين السودان والحرمين الشريفين، حتى بلغ أعلى الدرجات العلمية.

بعد إكماله المراحل التعليمية الأولى في معهد النهضة الإسلامي بشرق السودان خلال الفترة (1976م – 1980م). انتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث درس في "معهد الحرم المكي الشريف" بمكة المكرمة خلال الفترة من (1401هـ – 1406هـ)، ونهل من أجواء العلم التي تزخر بها رحاب المسجد الحرام.

 الدراسة الجامعية

التحق بـ الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، وتخرج في كلية الشريعةعام (1411هـ الموافق 1991م)، وهي مرحلة كان لها أثر كبير في توسيع مداركه العلمية وصقل شخصيته الدعوية.

مرحلة الابتلاء والصبر والثبات

بعد تخرجه في كلية الشريعة بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، لم يكن الطريق مفروشا بالورود فقد دخل الشيخ عبده رحمه الله مرحلةً مهمة من مراحل حياته، كانت من أكثرها تأثيرًا في تكوين شخصيته وصقل تجربته العلمية والدعوية. فقد واجه خلال تلك الفترة جملةً من التحديات والابتلاءات، وتعرض لصورٍ من التضييق والعوائق التي حالت بينه وبين بعض المواقع والفرص الدعوية التي كانت متاحة في ذلك الوقت.

كما عانى من آثار المنافسة غير الشريفة وتسلط بعض ضعاف النفوس غير أن هذه الظروف لم تزده إلا صبرًا وثباتًا، فاستقبلها بروح المؤمن المحتسب، متسلحًا باليقين وحسن التوكل على الله تعالى.

وقد أثمرت تلك المرحلة بما حملته من معاناة وتجارب في بناء شخصية أكثر نضجًا وخبرة، فواصل طريقه في طلب العلم وخدمة الدعوة دون أن تثنيه العقبات عن رسالته. ومع الأيام أبدله الله خيرًا مما فاته، وفتح له أبوابًا واسعة للنفع والتعليم، لتتحول تلك الابتلاءات إلى محطات إعدادٍ وتمكين، وليصدق فيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾.

مرحلة الدراسات العليا

نال درجة الماجستير في الشريعة والقانون عام 2012م. تخصص فقه مقارن من جامعة أم درمان الإسلامية.

وفي عام 2019م توّج مسيرته الأكاديمية بالحصول على درجة الدكتوراه بامتياز في الفقه المقارن من كلية الشريعة والقانون من نفس الجامعة وكان موضوع الرسالة بعنوان (إجماعات ابن قدامة في الصيام والاعتكاف في كتابه المغني جمعا ودراسة)

وقد جمع الشيخ رحمة الله في مسيرته بين التكوين الشرعي التقليدي والدراسة الأكاديمية المتخصصة، فكان مثالًا لطالب العلم الذي واصل طريقه بصبر واجتهاد حتى بلغ مراتب علمية رفيعة

المسيرة المهنية والعطاء العلمي والدعوي

بعد أن فرغ الشيخ الدكتور عبده محمود زايد من تحصيله العلمي الجامعي، انصرف إلى ميادين التعليم والبحث العلمي وخدمة التراث الإسلامي، فتنقل بين عدد من المؤسسات العلمية والدعوية، وأسهم في مشاريع علمية رائدة كان لها أثرها في خدمة السنة النبوية ونشر العلم الشرعي وتحقيق تراث العلماء.

التدريس وتحفيظ القرآن الكريم

كانت بداياته العملية في مجال التعليم والتربية، حيث عمل عام (1418هـ) في تدريس العلوم الشرعية والقرآن الكريم بـ«دار الحافظين والحافظات لتحفيظ القرآن والسنة» بمدينة جدة، كما تولى الإشراف والتدريس في حلقات تحفيظ القرآن بمسجد الراعي في حي المصفاة جنوب جدة.

وقد مثّلت هذه المرحلة امتدادًا طبيعيًا لتكوينه العلمي والتربوي، حيث جمع فيها بين التعليم والتوجيه وغرس القيم الإسلامية في نفوس الناشئة.

الإسهام في خدمة السنة النبوية

وفي عام (1420هـ) انتقل إلى مدينة الرياض، حيث عمل باحثًا في السنة النبوية (بدار التابعين ) خلال الفترة من (1420هـ – 1422هـ)، ضمن مشروع علمي موسوعي بعنوان: «جامع السنة وترتيبها على الأبواب الفقهية».

ويُعد هذا المشروع من الأعمال العلمية الكبيرة التي تطلبت جهدًا بحثيًا واسعًا، إذ اشتمل على تخريج ودراسة ما يزيد على (330) مرجعًا من مصادر الحديث النبوي الشريف، الأمر الذي أكسبه خبرة متميزة في التحقيق والتخريج والدراسة الحديثية.

العمل البحثي والتحرير العلمي

واصل الشيخ عطاءه العلمي من خلال عمله باحثًا شرعيًا في (دار الإفهام ) بالرياض مدة قاربت سنة ونصف، حيث شارك في تفريغ وتحويل عدد من دروس ومحاضرات الشيخ العلامة عبد الله بن جبرين ـ رحمه الله ـ إلى مواد علمية مقروءة ومؤلفات محررة، بما يسهم في تقريب العلم الشرعي ونشره بين طلاب العلم والمهتمين.

في رحاب مؤسسة الشيخ ابن باز الخيرية

شكّلت مرحلة العمل في (مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية) بالرياض إحدى أبرز المحطات في حياته العلمية؛ إذ التحق بالمؤسسة باحثًا علميًا في التاسع عشر من جمادى الآخرة سنة 1424هـ، واستمر في عمله حتى نهاية عام 1432هـ.

وخلال هذه السنوات شارك في عدد من الأعمال البحثية والعلمية المتخصصة، وأسهم في خدمة تراث سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، من خلال المراجعة والتحقيق والإعداد العلمي.

خدمة العمل الدعوي والتوثيق العلمي

عندما توقفت بعض الأنشطة العلمية بالمؤسسة خلال الفترة من عام 1433هـ إلى منتصف عام 1434هـ، انتقل للعمل في (مؤسسة الدعوة الخيرية بالرياض) حيث شارك في إعداد وتوثيق عدد من الملتقيات والبرامج الدعوية التي أقيمت بمسجد الأمير فيصل بن فهد رحمه الله بحي الملقا، والتي شارك فيها عدد من أعضاء هيئة كبار العلماء والدعاة وطلبة العلم.

كما أسهم في تحرير وإخراج عدد من الدروس والمحاضرات العلمية لمعالي الشيخ الدكتور "صالح بن عبد الله الفوزان" بما يعكس خبرته في العمل العلمي والتحرير الشرعي.

مواصلة خدمة التراث العلمي

وفي الأول من رجب عام 1434هـ عاد إلى (مؤسسة الشيخ عبد العزيز بن باز الخيرية) ليستأنف مسيرته البحثية التي استمرت حتى وفاته رحمه الله.

وخلال هذه المرحلة كان من أبرز المساهمين في تحقيق وإعداد وإخراج تراث سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، حيث تشرف بالمشاركة الفاعلة في مختلف الإصدارات العلمية التي أخرجتها المؤسسة، وبذل في ذلك جهدًا كبيرًا اتسم بالدقة والأمانة العلمية وحسن التحرير، مما جعل اسمه حاضرًا في كثير من الأعمال العلمية التي انتفع بها طلاب العلم والباحثون داخل المملكة العربية السعودية وخارجها.

ومع ما كانت تتطلبه هذه الأعمال العلمية الضخمة من وقت وجهد ومثابرة، وما كان يتحمله من مسؤوليات أسرية ووظيفية، ظل قلبه متعلقًا بشؤون الدعوة وأحوال الدعاة في وطنه، متابعًا ومهتمًا ومشاركًا بما يستطيع من رأي ومشورة ودعم. فلم تحجبه مشروعات التحقيق والبحث العلمي عن قضايا وطنه، بل جمع بين الوفاء لواجبات الأسرة والعمل، وبين الحضور الفاعل في خدمة الدعوة ومساندة العاملين في ميادينها، إيمانًا منه بأن خدمة الدين رسالة تتسع مجالاتها وتتنوع وسائله

كل ذلك في تواضع وصمت وإخلاص دون ضجيج

 آثاره العلمية وخدمة التراث الإسلامي

لم يكن الشيخ عبده محمود زايد من الباحثين الذين يكتفون بالعمل الإداري أو الانشغال بالمهام الوظيفية المجردة، بل كان من أهل العمل العلمي الدؤوب الذين تجسدت جهودهم في مشاريع علمية باقية الأثر، انتفع بها طلاب العلم والباحثون والمهتمون بالتراث الإسلامي.

وقد انصرف جانب كبير من حياته العلمية إلى خدمة علوم الشريعة، وتحقيق النصوص، ومراجعة المصنفات والمؤلفات، وإعداد المواد العلمية، وهي أعمال تحتاج إلى صبر طويل ودقة بالغة وأمانة علمية رفيعة. وقد كان له في هذا الميدان إسهام بارز من خلال مشاركته في إعداد ومراجعة عدد كبير من الكتب والرسائل والمطبوعات العلمية التي صدرت عن المؤسسات العلمية التي عمل بها.

ومن أبرز ما شارك في خدمته والعناية به عدد من المتون الشرعية والعقدية المهمة، وفي مقدمتها مؤلفات "الشيخ محمد بن عبد الوهاب" رحمه الله، مثل: (القواعد الأربع)، و(ثلاثة الأصول)، و(كشف الشبهات) و(فضل الإسلام) و(كتاب التوحيد).

كما امتدت جهوده إلى خدمة بعض مؤلفات الشيخ ابن تيمية رحمه الله، ومنها: (العقيدة الواسطية)، و(الفتوى الحموية)و(الاستقامة) إضافة إلى عدد من المصنفات في التفسير والرقائق والعبادات والتاريخ الإسلامي.

ولم يقتصر عطاؤه على خدمة الكتب المحققة، بل أسهم في إعداد واستخلاص مواد علمية نافعة من مؤلفات العلماء ودروسهم ومحاضراتهم، فشارك في جمع وترتيب وإعداد عدد من الرسائل العلمية المختصرة التي يسهل تداولها والانتفاع بها، ومن ذلك مؤلفات جُمعت من فتاوى ودروس الشيخ (عبد العزيز بن باز ر) حمه الله، مثل: (محمد بين الغالي والجافي) و(حكم المستهزئين بالأنبياء والمرسلين)و (ثلاثون سؤالاً في الصيام) و(فضائل القرآن) و(دليل الزوجين)و(المفيد في مجالس رمضان)

كما كان له إسهام ظاهر في إعداد المواد الدعوية المختصرة التي تخاطب عامة المسلمين وتيسر لهم معرفة أحكام دينهم، من خلال المشاركة في إعداد ومراجعة عدد من المطويات التعليمية والإرشادية التي تناولت موضوعات عملية يحتاجها المسلم في عبادته وحياته اليومية، كأحكام العمرة، وفضائل ليلة القدر، والأذكار الشرعية.

الشيخ عبده محمود كما عرفه إخوانه ورفقاء دربه

إذا كانت المؤهلات العلمية والإنجازات البحثية تكشف جانبًا من شخصية الشيخ عبده محمود زايد، فإن الذين صحبوه وعاشروه عن قرب عرفوا فيه خصالًا كريمة تركت أثرها في نفوسهم قبل أن تتركها أعماله في المكتبات ومجالس العلم.

فقد عُرف رحمه الله بالكرم والسخاء وحب البذل، كل ذلك بصمت وعفوية دون تكلف أو انتظار لثناء أو شكر، حتى أصبح ذلك من الأمور المألوفة عند من عرفوه

كما عُرف رحمه الله بعفة اللسان وسلامة الصدر، فلم يكن من أهل الغيبة ولا من الخائضين في أعراض الناس، بل كان يصون لسانه عن الهمز واللمز وتتبع العيوب، ويترفع عن الخوض فيما لا ينفع. وقد أجمع كثير من أصحابه على أنهم ما عرفوا عنه حديثًا في انتقاص الناس أو النيل منهم، وهي خصلة قلَّ أن تجتمع مع كثرة المخالطة واتساع العلاقات.

وكان رحمه الله حسن المعشر، دمث الأخلاق، طلق المحيا، بشوش الوجه، قريبًا من الناس، يألف ويؤلف، ويشعر جليسه بالألفة والارتياح. كما كان صاحب وفاء ومروءة، حاضرًا في أفراح إخوانه وأتراحهم، مؤديًا للحقوق، حريصًا على صلة إخوانه والسؤال عنهم.

ومن أبرز ما عُرف به تواضعه الجم، فقد كان بعيدًا عن مظاهر التعالي وحب الظهور، متواضعًا في مظهره وحديثه وتعاملاته، لا يتكلف ما ليس فيه، ولا يرى لنفسه فضلًا على غيره. وقد شهد له بذلك القريب والبعيد، بل إن كثيرًا من إنجازاته العلمية لم يكن يتحدث عنها إلا نادرًا.

ومن الشهادات الدالة على ذلك ما ذكره الأخ أبو عبد الله الشيخ محمد خير عمر، إذ حدّث عن آخر لقاء جمعه بالشيخ عبده محمود في مدينة كسلا، وقد امتد ذلك اللقاء لساعات طويلة تبادلا خلالها الحديث حول قضايا عامة، وذكريات الدراسة في (القربة )و(مكة المكرمة) وشؤون الدعوة وأحوال الناس. ورغم طول المجلس وما كان بينهما من أُلفة وصحبة، لم يتحدث الشيخ عبده محمود رحمه الله عن نفسه، ولم يشر إلى ما حققه من إنجازات علمية أو مؤهلات أكاديمية. ثم علم الشيخ محمد خير عمر بعد ذلك من غيره أنه كان قد نال درجة الماجستير، وكان يومئذٍ ماضيًا في طريقه نحو الدكتوراه، دون أن يذكر شيئًا من ذلك في مجلسه. ويرى صاحب هذه الشهادة أن هذا الموقف يلخص جانبًا مهمًا من شخصية الشيخ رحمه الله؛ فقد كانت نفسه تتطلع إلى معالي الأمور، لكنه كان يخفي أعماله ويزهد في الحديث عن منجزاته، مؤثرًا التواضع على المباهاة، والعمل على الادعاء.

لقد جمع رحمه الله بين علو الهمة ولين الجانب، وبين الطموح العلمي والتواضع الإنساني، فكان ممن ارتفع قدرهم بما قدموا، لا بما قالوا عن أنفسهم.

 شريكة الدرب والأسرة المباركة

وإذا كانت مسيرة الشيخ عبده محمود زايد العلمية والدعوية قد أثمرت هذا العطاء الممتد، فإن من الوفاء أن يُشار إلى الدور الكبير الذي قامت به أسرته في إنجاح هذه المسيرة، وفي مقدمة ذلك زوجته الكريمة (أم محمود) التي كانت خير معين له في رحلته الطويلة مع العلم والبحث والدعوة.

فقد تحملت نصيبًا وافرًا من أعباء الحياة الأسرية، وقامت بدور عظيم في رعاية الأبناء وتربيتهم ومتابعة شؤون البيت، مما أتاح له التفرغ لكثير من الأعمال العلمية والبحثية التي استغرقت سنوات طويلة من عمره. وكانت شريكة له في مواجهة تحديات الحياة وتقلباتها، تتقاسم معه المسؤوليات وتسانده في مختلف مراحل مسيرته.

كما كان لأبنائه نصيبا من هذا العطاء، فكانوا جزءًا من البيئة الأسرية التي احتضنت هذا المشروع العلمي وأسهمت في نجاحه واستمراره. كما كان لهم نعم الأب والمربي حفظهم الله وبارك فيهم وجبر كسرهم.

الأب المربي

ولم يكن الشيخ الدكتور عبده محمود زايد عالما وباحثا وداعية فحسب، بل كان أبا حريصًا على تربية أبنائه وبناته تربية تجمع بين العلم والدين، مؤمنا بأن بناء الأسرة الصالحة هو أساس كل نجاح وعطاء.

وتروي إحدى بناته جانبا من هذه العناية فتقول إن والدها رحمه الله كان شديد الحرص على تعليم أبنائه وبناته، ولم يكن اهتمامه مقتصرا على التعليم النظامي أو التحصيل الأكاديمي، بل كان يرى أن التربية الحقيقية تنطلق من كتاب الله تعالى.

 ولذلك اهتم بتعليم أبنائه أصول تلاوة القرآن الكريم وأحكامه، وشجعهم على الحفظ والمراجعة، وظل يتابعهم ويوجههم ويغرس في نفوسهم محبة القرآن والارتباط به.

كما كان حريصًا على تعليم بناته وتمكينهن من مواصلة دراستهن، إيمانا منه بقيمة العلم وأثره في بناء الفرد والأسرة والمجتمع. ومن صور ذلك أنه كان يرافق ابنته إلى الجامعة في السودان عند بداية كل عام دراسي، متابعًا لشؤونها، مشجعًا لها، وحريصًا على تذليل ما قد يعترض طريقها من صعوبات.

وقد ترك هذا الاهتمام أثرًا عميقًا في نفوس أبنائه وبناته، الذين وجدوا فيه الأب المربي والناصح والقدوة، فكان ما غرسه فيهم من حب الدين والعلم والاجتهاد من أعظم ما خلفه من إرث باق وأثر ممتد بعد رحيله رحمه الله تعالى

وختاما هذه شذرات من سيرت أخونا الشيخ عبده محمود رحمه الله لمشروع عمر امتد لعقود من العمر تجسد في مئات الساعات من البحث والمراجعة والتحقيق والتدقيق وأعمال علمية انتشرت بين الناس، وانتفع بها طلاب العلم والباحثون، بينما بقي هو بعيدًا عن الأضواء، زاهدًا صابرًا، مؤثرًا الإخلاص على الشهرة حتى وافته المنية يوم الإثنين1447/11/17هجري الموافف 2026/5/4 م بمدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية رحمه الله وأسكنه فسيح جناته وأن يجعل ما قدم في موازين حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون وأن يجعل ما أصابه من مرض وابتلاء رفعا للدرجات وتكفيرا للسيئات

كتبه/عبد الرحمن محمود إدريس

…..

احصل على

Outlook for Android

 
 
 

Comments


bottom of page