اشتباكات في إثيوبيا على حدود السودان وإريتريا تؤجج مخاوف من اندلاع حرب إقليمية أوسع
- tvawna1
- 2 days ago
- 7 min read
كتابة
3 أغسطس 2026

قوات الجيش الإثيوبي التابعة لبعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال، يوليو 2021 - المصدر: بعثة الاتحاد الإفريقي في الصومال
بعد أربعة أعوام من سلام هش بين الحكومة الفيدرالية الإثيوبية والجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، تجدد القتال بين الطرفين، السبت الماضي.
بدأت الاشتباكات قرابة منتصف الليل واستمرت حتى ظهر اليوم التالي، وامتدت من بلدة «حميرا» الحدودية مع السودان شمالًا إلى «شيريرينا» جنوبًا، بحسب ثلاثة من سكان المنطقة تحدثوا لـ«مدى مصر»، وأوضحوا أنهم سمعوا دوي قذائف الهاون وإطلاق نيران الأسلحة الرشاشة على مدار اليوم، لا سيما في محيط «شيريرينا».
وبحسب مصدر عسكري إثيوبي، اندلعت المواجهات بعدما عبرت قوة من المقاتلين التيجراويين، كانت متمركزة داخل السودان إلى الأراضي الإثيوبية بالقرب من قرية «ليجودي» في تخوم «حميرا».
وقال سكان في المنطقة الحدودية لـ«مدى مصر» إن القوة، المعروفة باسم «الجيش 70»، أجبرت مزارعين على مغادرة أراضيهم ونهبت ممتلكات تعود إلى ثمانية مستثمرين زراعيين، ما دفعهم إلى الفرار نحو المدن.
وسرعان ما اشتبك الجيش الفيدرالي مع القوة المهاجمة وتمكن من دفعها إلى التراجع، وفق المصدر العسكري الإثيوبي. وبعد ذلك بوقت قصير، شنت القوات الفيدرالية هجمات بالمدفعية الثقيلة والمسيّرات على مواقع الجبهة في «شيريرينا»، بحسب قيادة الجبهة، التي اعتبرت الهجوم انتهاكًا مباشرًا لاتفاق بريتوريا لوقف الأعمال العدائية، الموقع عام 2020، والذي أنهى عامين من الحرب الأهلية في تيجراي.
أقام الجيش الإثيوبي نقاط تفتيش جديدة عند المداخل الرئيسية لـ«حميرا»، وفرض إجراءات أمنية مشددة وقيودًا منعت حركة المركبات والمشاة خارج البلدة، ما حال دون وصول المزارعين إلى الأراضي الزراعية المحيطة، بحسب المصدر العسكري الإثيوبي.
وتصاعدت التوترات في جنوبي تيجراي كذلك، إذ ظهرت حشود عسكرية، بحسب شهود عيان تحدثوا لـ«مدى مصر».
ومع تصاعد المخاوف من اتساع رقعة المواجهات، فرّ مئات المدنيين سيرًا على الأقدام نحو «رايا كوبو»، ما تجاوز سريعًا قدرة المجتمعات المحلية على استيعابهم، ودفع كثيرين منهم إلى مواصلة النزوح جنوبًا نحو «ولديا» و«دسي»، بحسب جوبيزيه أراجاو، أحد سكان «كوبو».
وتنذر هذه الاشتباكات بتصعيد جديد في منطقة تقف على حافة الحرب منذ أشهر.
ورغم أن التوتر بين تيجراي والحكومة الفيدرالية يتصاعد تدريجيًا منذ أكثر من عام، عقب انهيار الإدارة الانتقالية في الإقليم التي تشكلت بموجب اتفاق 2022، فإن المواجهة الحالية تتجاوز حدود الصراع الداخلي الإثيوبي. فسماح إثيوبيا لقوات الدعم السريع السودانية باستخدام أراضيها كنقطة انطلاق لعملياتها العسكرية في ولاية النيل الأزرق السودانية، إلى جانب مطالبة أديس أبابا بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر عبر إريتريا، التي ألقت بثقلها تباعًا خلف الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، يمنحان التوتر في تيجراي أبعادًا إقليمية. وفي المقابل، عززت مصر، التي تصر على منع إثيوبيا من الوصول إلى البحر الأحمر، تقاربها مع إريتريا، بينما تظل الإمارات، الداعم الوثيق لكل من «الدعم السريع» والحكومة الإثيوبية، لاعبًا مؤثرًا في المشهد.
لكن في الوقت الراهن، لا يزال القتال محصورًا في نطاق جغرافي محدود داخل الأراضي الإثيوبية.
من جانبها، قالت الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي، في بيان لحكومة الإقليم السبت الماضي، إن قواتها تتحرك «دفاعًا عن الإقليم» في مواجهة ما وصفته بمحاولات الحكومة فرض وقائع عسكرية جديدة على الأرض، متهمة أديس أبابا بعدم تنفيذ البنود الأساسية لاتفاق بريتوريا، وفي مقدمتها انسحاب القوات غير الفيدرالية من غرب تيجراي وإعادة الإدارة المدنية إلى المنطقة.

مسؤول إثيوبي سابق شغل منصبًا في سفارة بلاده بالخرطوم قال إن الحكومة الفيدرالية تحمّل قيادة الجبهة الشعبية لتحرير تيجراي المسؤولية الكاملة عن انهيار الترتيبات الأمنية، معتبرًا أنها أمضت الأشهر الماضية في إعادة بناء هياكلها العسكرية خارج الإطار الذي حدده اتفاق بريتوريا. وأضاف أن العمليات العسكرية التي ينفذها الجيش الإثيوبي تستهدف «حماية النظام الدستوري» ومنع انهيار اتفاق السلام، مؤكدًا أن الحكومة لا تزال تعلن التزامها بالاتفاق، لكنها ترى أن الحفاظ عليه يقتضي منع أي تحشيدات عسكرية جديدة داخل تيجراي.
في المقابل، يواصل رئيس الوزراء الإثيوبي تبني نهج أكثر تشددًا في السياسة الوطنية، حيث هندس دورة انتخابية هيمن فيها حزبه، «الازدهار»، على نتائج التصويت، وسط انتهاكات واسعة النطاق، واستبعاد جميع الدوائر الانتخابية في تيجراي، بالتزامن مع استمرار القتال العنيف في إقليم أمهرة الذي يشهد تمردًا متواصلًا.
وأعاد التصعيد في تيجراي إلى الواجهة القضايا العالقة في اتفاق بريتوريا، وفي مقدمتها مستقبل غرب تيجراي، وآليات دمج القوات المحلية، وإعادة انتشار الجيش الفيدرالي، فضلًا عن استمرار وجود قوات إقليم أمهرة في أجزاء من المناطق المتنازع عليها.
وأوضح مصدر في الهيئة الحكومية للتنمية «إيقاد» لـ«مدى مصر» أن الاتفاق نجح في وضع حد للحرب واسعة النطاق، لكنه لم يعالج جذور النزاع، ما أبقى الإقليم في حالة «سلام هش» يمكن أن ينهار مع أي تغير في موازين القوى، مضيفًا أن المواجهات الحالية تمثل أخطر اختبار ميداني لاتفاق بريتوريا منذ توقيعه، وقد تحدد مستقبله إذا اتسعت رقعة العمليات العسكرية.
وتكتسب «شيريرينا» أهمية تتجاوز بُعدها العسكري المحلي، إذ تقع على أحد أهم المحاور التي تربط غرب تيجراي بالحدود السودانية والإريترية. وخلال الحرب السابقة بين 2020 و2022، تحولت المنطقة إلى ممر رئيسي لتحركات القوات الإثيوبية والإريترية، كما كانت أحد أكبر منافذ نزوح المدنيين نحو السودان، خصوصًا نحو ولايتي القضارف وكسلا. وتمثل المنطقة أيضًا عقدة لوجستية تتحكم في الطرق المؤدية إلى «حميرا» وغرب تيجراي، وهي مناطق ظلت محل نزاع بين حكومة تيجراي وسلطات إقليم أمهرة حتى بعد توقيع اتفاق السلام.
من جهتها، تنظر المؤسسة العسكرية السودانية إلى التطورات في «شيريرينا» باعتبارها ذات انعكاسات مباشرة على الأمن القومي السوداني، في ظل تحول الحدود الممتدة لأكثر من 700 كيلومتر مع إثيوبيا إلى جزء من الحسابات العملياتية للقوات المسلحة منذ اندلاع الحرب في السودان، بحسب مصدر عسكري سوداني تحدث لـ«مدى مصر».
وازدادت حساسية هذه الحدود خلال الأشهر الماضية مع امتداد حرب السودان إلى إقليم النيل الأزرق. وقالت مصادر عسكرية وأمنية سودانية لـ«مدى مصر» مرارًا إن الأجهزة الأمنية والاستخباراتية رصدت وجود مقاتلين من قوات الدعم السريع وحلفائهم داخل الأراضي الإثيوبية، سواء في معسكرات تدريب أو في أثناء تجمعهم قبل العبور إلى السودان لتنفيذ هجمات. ووفقًا لمصادر عسكرية، فإن سيطرة «الدعم السريع» على مدينة الكرمك في النيل الأزرق، في مارس الماضي، والتي شكلت نقطة تحول حرجة في الجبهة الشرقية، نفذها آلاف المقاتلين الذين تقدموا من إقليم بني شنقول-قمز الواقع شمال غربي إثيوبيا.
كما تتابع السلطات السودانية عن كثب التحركات العسكرية الإثيوبية في الإقليم نفسه. وكانت مصادر استخباراتية وأمنية سودانية قالت لـ«مدى مصر» في يناير الماضي إن أعمال إنشاء قاعدة عسكرية كبيرة في إقليم بني شنقول-قمز تسارعت مطلع العام الجاري، بالتزامن مع نشر مكثّف للقوات والأسلحة.
أضاف المصدر العسكري السوداني أن قيادة الجيش تتابع التطورات الحالية «بدرجة عالية من الجاهزية»، مع اتخاذ ترتيبات لتعزيز الانتشار على المعابر والنقاط الحدودية تحسبًا لأي تداعيات أمنية قد تنجم عن اتساع رقعة القتال.
يأتي تجدد المواجهات أيضًا في وقت يواصل فيه الجيش السوداني تنفيذ عمليات عسكرية واسعة في كردفان والنيل الأزرق، ما يجعل الحفاظ على الاستقرار على حدوده الشرقية أولوية عملياتية. وقال مسؤول أمني سوداني رفيع في القطاع الشرقي إن اندلاع الحرب مجددًا في إقليم تيجراي يفرض تحديًا إضافيًا في وقت تتوزع فيه القوات المسلحة على جبهات عدة.
وفي ولاية النيل الأزرق، حيث يلتقي السودان بإقليم بني شنقول-قمز الإثيوبي، تتابع الأجهزة الأمنية السودانية أيضًا التطورات عن كثب لما قد يترتب عليها من تأثير في انتشار القوات الإثيوبية على طول الحدود. وقال مسؤول أمني في الولاية إن انخراط الجيش الإثيوبي في جبهة استنزاف جديدة في تيجراي قد يضطره إلى إعادة نشر وحداته من بعض أقاليمه الغربية والمناطق الحدودية، بما قد يغير أنماط الانتشار الأمني على الحدود مع السودان، مضيفًا أن الجيش السوداني لا يتوقع تغيرًا مباشرًا في مسار العمليات العسكرية في النيل الأزرق، لكنه يستعد لاحتمال تزايد الحركة غير النظامية عبر الحدود إذا طال أمد القتال.
ولسنوات، شكلت الحدود الشرقية للسودان ممرًا للهجرة والتجارة غير الرسمية وتهريب البضائع والأسلحة. ويرى مسؤولون أمنيون سودانيون أن انهيار الوضع في تيجراي مجددًا قد يعيد إنتاج المشهد الحرب عام 2020، عندما عبر عشرات الآلاف من الإثيوبيين إلى السودان خلال فترة وجيزة، وهو سيناريو قد يتكرر في وقت يواجه فيه السودان بالفعل أكبر أزمة نزوح داخلي في تاريخه.
القرب الجغرافي من إثيوبيا، إلى جانب تدهور العلاقات مع حكومة أديس أبابا، دفع السودان إلى تعزيز علاقاته مع المقاتلين التيجراويين.
وقال مصدر سوداني على علم بتحركات المقاتلين إن «الجيش 70»، الذي ينشط انطلاقًا من الأراضي السودانية، يضم آلاف المقاتلين والضباط من أصول تيجراوية، سبق أن خدموا في صفوف الجيش الفيدرالي الإثيوبي، قبل أن ينشقوا أو يفروا نحو الأراضي السودانية عقب اندلاع حرب تيجراي عام 2020.
وأضاف المصدر أن هذا الأمر يثير قلق الجيش الفيدرالي الإثيوبي، لأن عناصره لا يُنظر إليهم باعتبارهم مجرد عناصر في ميليشيات أو متطوعين تابعين لجبهة تيجراي، بل قوة تمتلك تدريبًا عسكريًا نظاميًا عالي المستوى وخبرة عملياتية متقدمة اكتسبها أفرادها خلال خدمتهم العسكرية السابقة، ما يجعلها قوة عسكرية متمرسة وأكثر تنظيمًا وانضباطًا. وأوضح أن «الجيش 70» يعمل حاليًا كقوة ضغط عسكري واشتباك على طول الحدود السودانية-الإثيوبية، لا سيما في المناطق الغربية المتنازع عليها.
في المقابل، قال المصدر العسكري الإثيوبي لـ«مدى مصر» إن المقاتلين التيجراويين الموجودين في السودان، والمعروفين باسم «الجيش 70»، يشاركون إلى جانب الجيش السوداني في حربه، مضيفًا أن الخرطوم توفر لهم السلاح والدعم اللوجستي.
وتظل الحدود الشرقية مع إريتريا بؤرة توتر محتملة أخرى إذا اتسعت رقعة القتال.
تتعامل أسمرة، التي كانت أحد أبرز الحلفاء العسكريين لرئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال حرب تيجراي بين عامي 2020 و 2022، بحذر شديد مع التطورات الأخيرة، إذ شهدت العلاقة مع أديس أبابا تحولًا ملحوظًا خلال العامين الماضيين، مع تزايد الخلافات بين الحكومتين بشأن تنفيذ اتفاق بريتوريا، ومستقبل الترتيبات الأمنية في شمال إثيوبيا، إلى جانب الطموحات الإقليمية لأديس أبابا، بما في ذلك سعيها للحصول على منفذ إلى البحر الأحمر. والآن، تتابع القيادة الإريترية عن كثب التصعيد في «شيريرينا»، بحسب مصدر إعلامي في أسمرة تحدث لـ«مدى مصر».
وتعود جذور العداوة بين أسمرة وجبهة تحرير شعب تيجراي إلى الحرب الحدودية بين إريتريا وإثيوبيا في الفترة بين عامي 1998 و2000، حين كانت الجبهة تهيمن على الحكومة الإثيوبية. ومنذ ذلك الحين، اعتبر الرئيس الإريتري أسياس أفورقي إضعاف الجبهة هدفًا استراتيجيًا طويل الأمد.
وشاركت القوات الإريترية بصورة مباشرة في حرب 2020 إلى جانب القوات الفيدرالية الإثيوبية، إذ رأت في تحالفها مع آبي فرصة لإنهاء النفوذ العسكري والسياسي للجبهة على طول الحدود الجنوبية لإريتريا.
لكن الوضع الحالي يبدو مختلفًا، بحسب المصدر الإريتري، إذ دفعت التوترات المتصاعدة بين أسمرة وأديس أبابا على خلفية مطالبة إثيوبيا بالحصول على منفذ إلى البحر الأحمر دوائر داخل مؤسسة صنع القرار الإريترية إلى إعادة تقييم أولوياتها الأمنية. وأضاف أن جبهة تيجراي لم يعد يُنظر إليها باعتبارها التهديد الوحيد لإريتريا، في ظل تنامي المخاوف من السياسات الإقليمية للحكومة الفيدرالية الإثيوبية.
وأوضح المصدر أن هذا التحول فتح الباب أمام مقاربة أكثر براجماتية تقوم على منع أي من الطرفين من تحقيق تفوق حاسم قد يخل بتوازن القوى على الحدود، وهو ما يفسر، بحسب المصدر، إحجام إريتريا حتى الآن عن إصدار موقف رسمي أو الانخراط المباشر في القتال، مع استمرار حالة الاستنفار العسكري على طول الشريط الحدودي تحسبًا لأي تطورات ميدانية.
دبلوماسي يعمل في مقر الاتحاد الإفريقي في أديس أبابا قال إن التصعيد الأخير لا يهدد اتفاق بريتوريا فحسب، بل ينذر أيضًا بدخول منطقة القرن الإفريقي مرحلة جديدة من عدم الاستقرار، في وقت تواجه فيه المنطقة أزمات متزامنة في السودان والصومال والبحر الأحمر.
وأضاف الدبلوماسي أن أي اتساع في رقعة القتال سيؤثر في حسابات جميع الأطراف الإقليمية، لأن الحدود التي تربط السودان وإثيوبيا وإريتريا لم تعد مجرد خطوط فاصلة بين الدول، بل أصبحت جزءًا من شبكة أمنية إقليمية مترابطة تتداخل فيها الحروب الداخلية مع المصالح الجيوسياسية، بما يجعل أي اندلاع جديد للقتال في تيجراي عاملًا قد يعيد رسم المشهد الأمني في منطقة شرق إفريقيا بأكملها.
ويشارك مدير تحرير موقع «إثيوبيا إنسايت» والمحلل المستقل، ويليام ديفيدسون، القلق بشأن احتمال اتساع نطاق الصراع، قائلًا لـ«مدى مصر»: «على الرغم من أنه لا يبدو أن الاشتباكات قد تصاعدت إلى صراع أوسع نطاقًا، فإنها تثبت مرة أخرى أن الوضع شديد التقلب. ونظرًا لوقوعها بالقرب من المناطق المتنازع عليها بين أمهرة وتيجراي، ومشاركة وحدة من جيش تيجراي تنشط في السودان، فإن ذلك يشير إلى أنه في حال اندلاع حرب جديدة، فلن تقتصر على قوات تيجراي والقوات الاتحادية فحسب».
المصدر >>>>



Comments