احتمال كبير لتكرار حرب 1998-2000 بين إريتريا وإثيوبيا
تقارير دولية الشافعي أبتدون ــ مقديشو
09 أكتوبر 2026

مسلحون موالون للحكومة الإثيوبية في ميكيلي، تيغراي، 7 أكتوبر 2026 (الأناضول) كشفت وسائل إعلام إثيوبية انتشار قوات إريترية في إقليم تيغراي شمالي إثيوبيا، أول من أمس الأربعاء، نقلاً عن شهود عيان تمكنوا من تحديد هوية الجنود على أنهم من إريتريا بسبب زيهم العسكري المموَّه ذي اللون الأبيض المائل إلى الصفرة. وقال مواطن إثيوبي إن أفراداً من عائلته أخبروه بأنهم رأوا قوات إريترية، وتحدث الشهود شرط عدم الكشف عن هويتهم، بسبب مخاوف أمنية تتعلق بالصراع الدائر.
ونقلت وكالة رويترز، الأربعاء الماضي، عن شهود عيان قولهم إن جنوداً إريتريين توغلوا في مدينة إديغرات القريبة من الحدود الإريترية. ونقلت وكالة فرانس برس أمس الخميس عن شهود عيان ومرصد لمراقبة النزاعات، قولهم إن طائرات مسيّرة إثيوبية شنت عدة غارات استهدفت قوات إريترية كانت قد وصلت إلى مدينة في شمال إقليم تيغراي. وذكرت منظمة "أكليد" المعنية برصد النزاعات، أمس، أن مدينة أديغرات تعرضت ليل أول من أمس لـ"عدة ضربات بطائرات مسيّرة استهدفت قوات وذخائر إريترية". وأفاد شاهد عيان بوقوع "عدد كبير جداً من الضربات بطائرات مسيّرة، ودُمِّرت بعض الشاحنات الإريترية".
إثيوبيا تتهم إريتريا بدعم متمردي تيغراي
ويأتي هذا التوغل الإريتري بعد أيام من قطع إثيوبيا وإريتريا علاقاتهما الدبلوماسية، في تطور يزيد المخاوف من اندلاع مواجهة مباشرة بين البلدين. لكن وزير الإعلام الإريتري يماني ميسكل نفى وجود قوات بلاده في المدينة، ووصف روايات الشهود بأنها جزء من خطة إثيوبية لتبرير شنّ حرب على إريتريا. وتتهم إثيوبيا إريتريا بدعم التحالف المسلح الذي يخوض القتال ضد القوات الحكومية منذ 23 سبتمبر/ أيلول الماضي في أقاليم تيغراي وأمهرة وعفر شماليّ البلاد. وكان رئيس إدارة إقليم عفر قد قال، الأسبوع الماضي، إن قوات إريترية تقاتل في المنطقة، لكن "رويترز" لم تتمكن من التحقق بشكل مستقل من تلك التقارير. وتنفي أسمرا هذه الاتهامات، التي جاءت قبل قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين الأسبوع الماضي.
وفي السياق، حذرت السفارة الأميركية في أديس أبابا، في بيان، من احتمال وقوع هجمات بعيدة المدى تستهدف منشآت عسكرية إثيوبية خلال أكتوبر/ تشرين الأول الحالي، داعية المواطنين الأميركيين إلى توخي الحذر والتزام توجيهات السلطات المحلية. وقالت السفارة، الأربعاء الماضي، إنها تلقت تقارير تفيد باحتمال وقوع مثل هذه الهجمات في مناسبات عدة خلال الشهر الحالي، من دون الكشف عن المواقع التي قد تستهدفها أو الجهات المحتملة المسؤولة عنها. وحثت الأميركيين على الابتعاد عن المنشآت العسكرية الإثيوبية، ودعتهم إلى عدم السفر إلى إقليم أمهرة، بما في ذلك مدينة لاليبيلا، وإقليما تيغراي وعفار، لأي سبب.
وأبدى خبراء ومحللون قلقهم من تصاعد التوتر الدبلوماسي بين إريتريا وإثيوبيا، في حال استمرار التصعيد العسكري في إقليم تيغراي بين الجيش الإثيوبي وقوات جبهة تحرير شعب تيغراي، إلى جانب تفاقم الاتهامات المتبادلة بين الجارتين، بالتورط في المعارك من طرف أديس أبابا، والنفي المتكرر من أسمرة لاتهامات جارتها بالضلوع في توفير جدار خلفي لقوات جبهة تيغراي المتمردة.
عبد القادر محمد علي: التدخل الإريتري، إن صح، يحمل أكثر من دلالة، من بينها أن جبهة تيغراي تعرضت لانتكاسة كبيرة
وفي السياق، قال الكاتب والباحث الإريتري عبد القادر محمد علي، لـ"العربي الجديد"، إن الحديث عن احتمال حدوث مواجهة مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا لا يمكن فصله عن التوترات المتراكمة بين البلدين، مشيراً إلى أن وجوداً عسكرياً إريترياً في المنطقة، إذا ثبت، ليس تطوراً منفصلاً عن السياق الأوسع للعلاقات بين أسمرة وأديس أبابا. وأضاف: هذا التدخل، إن صح، يحمل أكثر من دلالة، من بينها أن جبهة تحرير تيغراي ربما كانت قد تعرضت لانتكاسة كبيرة، في وقت بدا فيه أن التصور الإثيوبي يقوم على تجنب الانخراط المباشر في حرب واسعة، وترك مساحة لحلفائها في إريتريا للقيام بدور متقدم في مواجهة التطورات على الحدود والمناطق المتنازع عليها.
ميناء عصب أبرز مصادر التوتر
لكن، بحسب الباحث، فإن مسار الأحداث خلال الأيام الأخيرة يبدو مختلفاً عن هذا التصور، الأمر الذي يجعل أي تدخل إريتري محتمل مرتبطاً أيضاً بحالة التوتر المستمرة والانسداد السياسي والأمني في العلاقات بين البلدين. ورأى علي أن ملف ميناء عَصَب يمثل أحد أبرز مصادر التوتر، في ظل ما تطرحه إثيوبيا من مطالب تتعلق بالوصول إلى البحر الأحمر والميناء، وما رافق ذلك من تصريحات لمسؤولين مدنيين وعسكريين إثيوبيين بشأن ما يعتبرونه "تصحيحاً لخطأ تاريخي" ارتبط باستقلال إريتريا وفقدان إثيوبيا منفذها البحري. وترى أسمرة في مثل هذه المواقف مساساً مباشراً بسيادتها.
وفي المقابل، تواصل إثيوبيا اتهام إريتريا بدعم جماعات معارضة إثيوبية وتسليحها، واعتبار ذلك تهديداً لأمنها القومي. ومع تداخل هذه الملفات، يقول علي إن احتمالات الانزلاق إلى مواجهة عسكرية بين البلدين ظلت قائمة، حتى مع وجود محاولات من الطرفين لتجنب الاشتباك المباشر. وأشار علي إلى أن التطورات الدبلوماسية الأخيرة زادت من خطورة الموقف، بعدما وصلت التوترات بين الطرفين إلى مستويات غير مسبوقة، مع إجراءات طاولت البعثات الدبلوماسية، من بينها طرد دبلوماسيين وإغلاق السفارة الإثيوبية في إريتريا، وصولاً إلى إعلان أسمرة قطع العلاقات الدبلوماسية مع أديس أبابا. كذلك إن تراجع قنوات الاتصال والتهدئة بين البلدين يرفع من مخاطر الدخول في جولة جديدة من الحرب، ما لم تتدخل أطراف دولية قادرة على احتواء التصعيد ومنع تطورات الأحداث من الانزلاق نحو مواجهة واسعة.
تكلفة إنسانية على دول الجوار
يرجح خبراء ألا تبقى الحرب المحتملة محصورة بين الجارتين، وأن تمتد تكلفتها الإنسانية إلى الدول المجاورة، في ظل أزمات غذائية في القرن الأفريقي نتيجة ظاهرة الجفاف المتكررة، هذا بالإضافة إلى الاضطرابات في مضيق هرمز وباب المندب، التي قد تفاقم الوضع الإنساني سوءاً في حال اندلاع جولة من المواجهات بين الدولتين، في ظل تراجع الدعم الدولي الإنساني لدول المنطقة. كذلك ستكون دول إقليمية أخرى ضالعة في حرب أهلية بين أسمرة وأديس أبابا وتهدد أمن منطقة القرن الأفريقي واستقرارها.
محمد عمر صالح: تداعيات الحرب، في حال اندلاعها، ستتجاوز الحدود الإثيوبية وتنعكس على البيئة الأمنية في الإقليم
وفي السياق، قال مدير مركز القرن الأفريقي للبحوث ودراسة السياسات، محمد عمر صالح، لـ"العربي الجديد"، إن تطورات الأوضاع في المنطقة تثير مخاوف متزايدة، خصوصاً مع التوغل الإريتري داخل حدود إقليم تيغراي وما قد يترتب على ذلك من تعجيل بالمواجهة المباشرة بين الجيشين، الإثيوبي والإريتري. وأشار إلى أن تطور المواجهة بهذا الشكل قد يؤدي إلى تجاوز الحدود الدولية، تحت عناوين الدفاع عن النفس وحماية الحدود والسيادة، بما يفتح الباب أمام حرب أوسع من تلك التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية.
وأضاف صالح أن الأمر مقلق للغاية، ولا سيما مع احتمال دخول أطراف أخرى على خط المواجهة، وهو ما قد يدفع بالأوضاع نحو مزيد من التصعيد والحرب. ويؤكد أن هذه الحرب، في حال اندلاعها، لن تكون بمعزل عن محيطها الإقليمي، حتى إذا بدأت في إطار صراع داخلي داخل إثيوبيا، لأن تداعياتها ستتجاوز الحدود الإثيوبية وتنعكس على البيئة الأمنية في الإقليم.
يذكر أن إريتريا وإثيوبيا خاضتا حرباً حدودية عنيفة استمرت لمدة عامين، بدأت في مايو/ أيار 1998، وأدت، وفق الأمم المتحدة، إلى مقتل نحو 70 ألف شخص، قبل أن يتوصل الطرفان إلى اتفاق وقف الأعمال العدائية بوساطة جزائرية نجحت في إنهاء الحرب بتوقيع اتفاق الجزائر في يونيو/ حزيران 2000، ثم وُقّع اتفاق السلام النهائي في الجزائر في ديسمبر/ كانون الأول من العام نفسه.




Comments