إريتريا وتيغراي ضد آبي أحمد: "الشعبيتان" تحالف قديم في قنانٍ جديدة
- tvawna1
- 11 minutes ago
- 5 min read
27 أغسطس, 2026


عبد الجليل سليمان 27 أغسطس, 2026 قد تكون أكثر مفارقات القرن الأفريقي السياسية والعسكرية إثارة، أنْ تتحول الجبهتان اللتان أسقطتا نظام منغستو هيلا مريام معا عام 1991، ثم خاضتا حربًا دامية ومدمرة بعد سبع سنوات من بلوغهما السلطة في أديس أبابا وأسمرا، وظلتا في حالة خصام وعداوة لنحو عشرين عاماً متواصلة، إلى شريكين محتملين في مواجهة عدو مشترك جديد.
الأخبار والتسريبات المتداولة عن اتصالات واجتماعات بين قيادات من الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي والحكومة الإريترية (الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا – سابقاً)، وإن كانت لا تكفي لإثبات قيام تحالف عسكري مكتمل، تكتسب أهميتها من السياق الذي ظهرت فيه. فالعلاقة بين أسمرا وأديس أبابا انقلبت من المصالحة إلى الخصومة، فيما استعادت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي TPLF)) قدرًا من استقلالها السياسي والعسكري عقب اتفاق بريتوريا.
حذّرت مجموعة الأزمات الدولية، في فبراير/شباط 2026، من أن التوتر بين الحكومة الإثيوبية وتيغراي وإريتريا يهدد بإشعال مواجهة جديدة في شمال البلاد.
أصدقاء حسب الظروف
لم تكن الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا والجبهة الشعبية لتحرير تيغراي مجرد حركتين متجاورتين في حربهما ضد الحكومة المركزية في أديس أبابا؛ بل تشكل بينهما تعاون عسكري وسياسي حاسم في المرحلة الأخيرة من الحرب. في مايو/أيار 1991 انهار نظام الدرغ، ودخلت قوات الجبهة الثورية الديمقراطية للشعوب الإثيوبية (EPLF)، التي كانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي (TPLF) عمادها العسكري والسياسي، أديس أبابا، بينما سيطرت الجبهة الشعبية لتحرير إريتريا (EPLF) على أسمرا. كان الانتصار المشترك نهاية عدو واحد، لكنه لم يكن بداية مشروع سياسي واحد.
هنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ؛ فالقوتان اللتان ساعدتا بعضهما على الوصول إلى سُدتّى الحكم في أديس أبابا وأسمرا، أصبحتا بعد سنوات من ألدّ الخصوم والأعداء
بعدها اختارت إريتريا الاستقلال، فيما قبلت القيادة الإثيوبية التي هيمنت عليها الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي بقيادة زعيمها ورئيس وزراء إثيوبيا الراحل ملس زيناوي، إجراء استفتاء على مستقبل إريتريا، ما بين 23 و25 أبريل/نيسان 1993، حيث صوّت الإريتريون بأغلبية ساحقة للاستقلال؛ وسجلت الأمم المتحدة أن 99.80٪ من المشاركين صوتوا لصالحه وفقاُ لنظام الوثائق الرسمي التابع للأمم المتحدة.
لم يحتج الانفصال السياسي إلى وقتٍ طويل حتى يتحول إلى تنافس استراتيجي، ففي 6 مايو/أيار 1998 اندلعت الحرب الإثيوبية الإريترية، واستمرت حتى اتفاق الجزائر في 12 ديسمبر/كانون الأول 2000. أنشأ الاتفاق آلية دولية للتحكيم الحدودي، وأصدرت آلية ترسيم الحدود قرارها النهائي في أبريل/نيسان 2002، مانحة بادمي لإريتريا. لكن الحكومة الإثيوبية ممثلة في جبهة تيغراي رفضت تنفيذ القرار، ودخل البلدان في حالة «لا حرب ولا سلام» امتدت قرابة عقدين.
وقد حمّلت أسمرا جبهة تيغراي مسؤولية عدم تنفيذ قرار الحدود، وفي المقابل، أصبحت إريتريا بالنسبة إلى النخبة التيغرانية دولة معادية على الحدود. وهنا تكمن إحدى مفارقات التاريخ؛ فالقوتان اللتان ساعدتا بعضهما على الوصول إلى سُدتّى الحكم في أديس أبابا وأسمرا، أصبحتا بعد سنوات من ألدّ الخصوم والأعداء.
دراما عام 2018 وحرب تيغراي
أعاد وصول آبي أحمد إلى السلطة عام 2018 ترتيب المشهد بالكامل، ففي 5 يونيو/حزيران أعلنت إثيوبيا التزامها الكامل باتفاق الجزائر وقرارات لجنة الحدود، بما فيها القرار المتعلق بالأراضي المتنازع عليها. وبعد أسابيع، وفي 9 يوليو/تموز، وقع آبي أحمد وأسياس أفورقي إعلان السلام والصداقة في أسمرا، منهياً رسميًا حالة الحرب ومتعهدًا باستئناف التعاون السياسي والأمني والاقتصادي.
لم تكن تلك المصالحة مجرد تسوية حدودية، فقد أنتجت ترتيبًا أمنيًا جديدًا في القرن الأفريقي، وكانت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، التي ظلت القوة الأكثر نفوذًا داخل النظام الإثيوبي السابق، الخاسر السياسي الأكبر من إعادة تشكيل العلاقة بين أديس أبابا وأسمرا.
انفجر التناقض داخل إثيوبيا مُجددا، في نوفمبر/تشرين الثاني 2020؛ وذلك عندما تحولت المواجهة السياسية بين حكومة آبي أحمد وقيادة تيغراي إلى حرب شاملة. وكانت قوات الدفاع الإريترية (الجيش الإريتري) قد انخرطت في الحرب الأهلية الإثيوبية إلى جانب القوات الفدرالية الإثيوبية (الجيش الإثيوبي). كما شاركت مليشيا (فانو) الأمهرية بجانبهما للحيلولة دون عودة تيغراي إلى سدة الحكم مرة أخرى، وهذا ما تحقق بالفعل.
بعد عامين من القتال، وقعت الحكومة الإثيوبية وقيادة تيغراي اتفاق سلام في بريتوريا بجنوب أفريقيا، في 2 نوفمبر/تشرين الثاني 2022، لكن الاتفاق لم يُغلق الملفات التي أنتجت الحرب. فقد بقيت مسألة الأراضي والنازحين ومستقبل السلطة في تيغراي، كما بقي الوجود الإريتري في بعض المناطق مصدر توتر. وفي الوقت نفسه، بدأت العلاقة التي جمعت آبي وأفورقي تتآكل تدريجيًا.
إنّ جبهة تيغراي لا تستطيع ضمان أن أسمرا ستكتفي بدور الشريك العسكري، إذا تغير ميزان القوة؛ لذلك فإن التحالف المحتمل قد يكون تحالفًا ضد آبي أحمد أكثر منه تحالفًا من أجل نظام سياسي بديل
أصبح التناقض بين أسمرا وأديس أبابا أكثر حدة مع تصاعد حديث آبي عن حاجة إثيوبيا إلى منفذ بحري، وهو ما تنظر إليه إريتريا باعتباره مسألة سيادة وأمن قومي. بحلول عام 2025 لم تعد المصالحة التي صنعت مجد آبي عالمياً بحصوله على جائزة نوبل للسلام 11 أكتوبر/ تشرين الأول الأول 2019، وذلك بحسب تقرير لجنة الجائزة: "لجهوده من أجل تحقيق السلام والتعاون الدولي، وبصفة خاصة مبادرته الحاسمة لحل النزاع الحدودي مع إريتريا"، قائمة على الأسس نفسها؛ حيث وصف تقرير نشرته (رويترز) مؤخراً العلاقة بين إثيوبيا وإريتريا بأنها انتقلت إلى «عداء جديد»، بالتوازي مع تصاعد التوتر حول الوصول الإثيوبي إلى البحر الأحمر.
في المقابل، شرعت الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على إعادة بناء حضورها السياسي داخل الإقليم، حينما عمدت في مايو/أيار 2026 إلى تفعيل المجلس التشريعي السابق لحرب 2020، وانتُخب رئيسها دبرصيون قبرميكئيل رئيسًا للإدارة الإقليمية، وهو تطور اعتبرته الإدارة الأميركية تحديًا مباشرًا لترتيبات بريتوريا، فيما تنظر إليه أديس أبابا كإعلان عودة إلى الحرب.
"تسميدو" تقارب الخصمين
هنا يصبح الحديث عن تقارب تيغراي وأسمرا أكثر من مجرد مفارقة تاريخية، فدراسة حديثة عن المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) تشير صراحة إلى أن الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي تتعاون مع خصمها السابق "الحكومة الإريترية"، وتكشف الدراسة عن اتصالات بدأت منذ عام 2024، وعن ظهور إطار بين الجانبين أطلقا عليه بلغة التيغرنية «تسيمدو» أي العهد/ المعاهدة، الأمر الذي أثار مخاوف أديس أبابا ورفع درجة حذرها وشكوكها.
وفي الوقت نفسه، تصف مصادر أخرى «تسيمدو» بأنه إطار غامض، تتضخم حوله الرواية الحكومية الإثيوبية، ولا يوجد حتى الآن ما يكفي لإثبات أنه تحالف عسكري رسمي متكامل.
لكن الغموض نفسه قد يكون جزءًا من طبيعة العلاقة، فالتحالفات في الحروب الأهلية لا تبدأ دائمًا بمعاهدة؛ قد تبدأ بتبادل المعلومات، ثم التنسيق السياسي، فالدعم اللوجستي، قبل أن تتحول إلى تعاون عسكري إذا انفجرت الحرب.
عقدة إسقاط آبي
إذا تحول التقارب بين الشعبتين ( جبهة تيغراي وحكومة إريتريا) إلى تحالف، فإنّ قوته لن تأتي منه فقط، وإنما تعضدها عوامل أخرى على رأسها تمرد مليشا فانو في أمهرا، والاضطرابات المسلحة في أوروميا، وتوترات متصاعدة في عدة أقاليم إثيوبية بينها (بني شنقول قُمز) على الحدود السودانية، وهكذا يمكن أن يتحول الضغط على الحكومة من جبهة شمالية إلى أزمة متعددة الجبهات.
الطريق إلى أديس أبابا هذه المرة أطول وأكثر تعقيدًا؛ فالسؤال لم يعد فقط هل تستطيع تيغراي وإريتريا إسقاط آبي أحمد، بل هل تستطيعان الاتفاق على إثيوبيا التي ستأتي بعده؟
لكن إسقاط حكومة آبي أحمد من قبل الحلفاء القدامى الجّدّد لن يكون نزهة، كما لن تكرارًا آليًا لسيناريو إسقاط حكومة منغستو هايلي ماريام عام 1991. فقد كان نظام الدرغ آنذاك يواجه حربًا استنزاف طويلة، وانهيارًا اقتصاديًا وسياسيًا وعسكريًا، فضلاً عن انهيار الإتحاد السوفيتي والمعسكر الإشتراكي الداعم له، بينما كان خصومه يتحركون في جبهة متماسكة نسبيًا. أما اليوم فالدولة الإثيوبية ما صارت تملك جيشًا كبيرًا، وسلاحًا جويًا وتقنيات عسكرية متقدمة ومسيّرات ودعم دولي وإفريقي لا بأس به.
لذلك قد يكون الهدف الواقعي للتحالف المحتمل أقل من "إسقاط حكومة أديس أبابا"، كإضعاف آبي أحمد، استنزاف الجيش، فتح جبهات متزامنة، وإجبار القيادة المركزية على تفاوض يعيد توزيع السلطة.
افتراضات واحتمالات
إنّ المفارقة الأكبر لن تكون إسقاط آبي أحمد، وهو احتمال بعيد المنال؛ في الوقت الراهن وعلى المدى المنظور، لكنّه سيكون أسهل – افتراضياً - من الاتفاق على من يخلفه. فإريتريا لا تريد بالضرورة عودة الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي إلى الهيمنة على الدولة الإثيوبية، كما كان عليه الأمر منذ 1991 وحتّى 2018.
إنّ جبهة تيغراي لا تستطيع ضمان أن أسمرا ستكتفي بدور الشريك العسكري، إذا تغير ميزان القوة؛ لذلك فإن التحالف المحتمل قد يكون تحالفًا ضد آبي أحمد أكثر منه تحالفًا من أجل نظام سياسي بديل. وهذه نقطة فاصلة بين 1991 و2026. في المرة الأولى كان منغستو هو مركز الإجماع المضاد؛ أما اليوم فإسقاط آبي لن يحل تلقائيًا تناقضات تيغراي وأمهرا وأوروميا وإريتريا والسودان.
إنْ صحّت الاتصالات المتداولة، وتطورت إلى تعاون عملياتي، فإنّ التاريخ قد يُعيد نفسه بصورة ساخرة، "عدوان قديمان يعودان إلى التحالف لإسقاط حليف سابق"؛ لكن الطريق إلى أديس أبابا هذه المرة أطول وأكثر تعقيدًا؛ فالسؤال لم يعد فقط هل تستطيع تيغراي وإريتريا إسقاط آبي أحمد، بل هل تستطيعان الاتفاق على إثيوبيا التي ستأتي بعده؟
وفي تلك النقطة تحديدًا، قد يتبيّن أنّ تحالف 1991 ربما سيكون قابلاً للتكرار عسكريًا، لكنه لن يكون قابلاً للاستمرار سياسيًا. المصدؤ >>>>>


Comments