إريتريا تحت اختبار التحول: مكاسب الجيوسياسة وهشاشة الهيكل المالي الداخلي

22 سبتمبر, 2026
خالد محمد طه

في غضون أسابيع قليلة، تقاطعت في المشهد الإريتري ثلاثة تطورات تبدو للوهلة الأولى منفصلة، لكنها تشكل مجتمعة لوحة مركبة لدولة تعيد التفاوض على موقعها الإقليمي في لحظة بالغة الحساسية على ضفاف البحر الأحمر. فمن جهة، أعلنت واشنطن عدم تجديد العقوبات المفروضة على الجيش الإريتري منذ 2021، في خطوة تعني عمليا رفع الحظر عنه. ومن جهة أخرى، عاد ميناء مصوع إلى خرائط الملاحة الدولية للحاويات، في مؤشر على تنامٍ محتمل لدوره التجاري. وفي مقابل هذا الانفتاح الخارجي المزدوج، أصدر بنك إريتريا المرسوم رقم 134/2026 بتاريخ 9 سبتمبر/أيلول الجاري، الذي يُلزم الأفراد والمؤسسات بإيداع ما يتجاوز سقفا محددا من السيولة النقدية خلال 15 يوما، تحت طائلة إجراءات قانونية محتملة.
هذا التزامن ليس مجرد صدفة توقيت، بل هو، في جوهره، اختبار لسؤال مركزي، هل يكفي الموقع الجغرافي الاستراتيجي وحده لتحويل إريتريا إلى شريك إقليمي موثوق ووجهة استثمارية جاذبة، أم أن الثقة الاقتصادية تُبنى أولاً من الداخل، عبر مؤسسات وقواعد يمكن التنبؤ بها؟
انفراج مشروط بالمصالح أم بتسوية الملفات العالقة؟
أعلنت الولايات المتحدة في 18 سبتمبر/أيلول الجاري، عدم تجديد العقوبات التي فرضتها على الحزب الحاكم والجيش الإريتري منذ أواخر 2021، إثر اتهامات لقوات هذا الجيش بارتكاب انتهاكات خلال نزاع تيغراي شمال إثيوبيا. وأوضحت وزارة الخزانة الأميركية أن إعلان "حالة الطوارئ الوطنية" الذي كانت تُجدَّد العقوبات بموجبه سنويا قد انتهى مفعوله، وهو ما أدى عمليا إلى رفع العقوبات. أما وزارة الخارجية، فبرّرت القرار بصراحة لافتة بأنه جاء "بهدف تعزيز المصالح الإقليمية للولايات المتحدة"، لا بوصفه اعترافاً بتسوية جوهرية لملف تيغراي، الذي وصف متحدث باسم الخارجية الأميركية تنفيذ اتفاق السلام بشأنه بأنه كان "متفاوتا" بلا شك.
هذه الصياغة تكشف أن طبيعة القرار تحوّل في حسابات المصلحة الأميركية أكثر منه تغيّرا في المعايير التي بُنيت عليها العقوبات أصلا. ويأتي في سياق تصاعد التوتر من جديد في تيغراي، وسط مخاوف جدية من عودة الحرب، وهو ما يجعل توقيته أقرب إلى إعادة ترتيب لأوراق النفوذ في القرن الأفريقي، مقروءا على ضوء الأهمية المتصاعدة للبحر الأحمر بعد الحرب الأميركية - الإيرانية وتوترات مضيق هرمز وباب المندب، أكثر من كونه مكافأة على إصلاح داخلي.
بالتوازي مع هذا الانفراج السياسي، بدأ ميناء مصوع استعادة حضوره ضمن جداول الملاحة الدولية للحاويات، بعد إدراجه ضمن خدمات أحد كبار مشغلي النقل البحري العالمي (CMA CGM)، في خطوة تتجاوز مجرد عبور السفن إلى فتح المجال أمام عوائد مباشرة من رسوم الموانئ والمناولة والخدمات الجمركية.
غير أن التحول من ميناء بحري إلى مركز لوجستي فاعل يظل مشروطا بعوامل تتجاوز الإعلانات الأولية، وهي: انتظام الرحلات، وتطوير الخدمات الجمركية والمخازن والنقل البري، إلى جانب استمرار الحذر الذي تبديه شركات الملاحة العالمية تجاه الأوضاع الأمنية في البحر الأحمر وباب المندب. فعودة الحاويات إلى مصوع بداية محتملة لا إنجاز مكتمل، وقدرتها على الترجمة إلى نمو اقتصادي حقيقي ستُقاس بمدى استدامتها.
النقفة تحت الرقابة
في القلب من هذا المشهد الخارجي المتفائل نسبيا، يطرح القرار النقدي الأخير سؤالاً أشد إلحاحاً حول البنية الداخلية للاقتصاد الإريتري. فبموجب المرسوم، لا يجوز للفرد الاحتفاظ بأكثر من 25 ألف نقفة نقدا (نحو 1667 دولاراً أميركياً) لأكثر من 15 يوما، فيما تختلف السقوف بالنسبة للمؤسسات الخاصة بحسب تصنيفها، مع إمكانية اتخاذ إجراءات قانونية في حال التجاوز دون "مبرر مقبول".
من الناحية الاقتصادية البحتة، يمكن فهم مثل هذا الإجراء في إطار مساعٍ معروفة عالميا، مثل تقليص التداول خارج النظام المصرفي، والحد من الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين القدرة على تتبع حركة الأموال ومكافحة غسلها. فحق الدولة في تنظيم النقد حق أصيل تمارسه حكومات كثيرة. لكن في الحالة الإريترية، تكتسب المسألة حساسية إضافية بسبب طبيعة الاقتصاد النقدي إلى حد كبير، ومحدودية الانتشار المصرفي، والبيئة المؤسسية والقانونية المحيطة، فضلا عن تجربة سابقة لا تزال حاضرة في الذاكرة الجمعية. ففي نوفمبر 2015، أمرت السلطات الإريترية المواطنين بتسليم العملة الورقية إلى المصارف تمهيداً لاستبدالها، ثم فُرضت قيود على استخدام النقد في المعاملات الكبيرة. ووثّقت هيومن رايتس ووتش أن تلك الإجراءات، وإن حدّت من بعض التحويلات في السوق الموازية، وفّرت في الوقت ذاته أدوات إضافية لمراقبة الدخل والإنفاق الفردي، إلى جانب قيود مستمرة على السحب أثرت في القدرة الشرائية للمواطنين. كما أثارت لجنة التحقيق الدولية بشأن حقوق الإنسان في إريتريا، في سياق تلك العملية، قضايا تتصل بالحق في الملكية والخصوصية واليقين القانوني.
هذا لا يعني أن قرار 2026 نسخة طبق الأصل من قرار 2015، لكن السياسات الاقتصادية لا تُصاغ ولا تُستقبل في فراغ؛ فهي تعمل داخل ذاكرة اجتماعية تراكمت فيها الخبرات، وأي سياسة تهدف إلى دفع المواطنين نحو النظام المصرفي تحتاج إلى أكثر من الإلزام القانوني، تحتاج إلى استعادة تدريجية للثقة.
إشكالية "المبرر المقبول"
من أكثر عناصر المرسوم استحقاقاً للنقاش عبارة "مبرر مقبول"، التي بُني عليها التهديد بإجراءات قانونية. فوجود استثناءات في أي لائحة مالية أمر مألوف، لكن المشكلة تبدأ حين تغيب معايير واضحة لتحديد هذا المبرر، من يقرره؟ وهل توجد قائمة معلنة بالحالات المقبولة؟ وما الوثائق المطلوبة؟ ومن يملك حق المراجعة أو الطعن أمام جهة مستقلة؟
في الاقتصاد، لا يمكن فرض الثقة بقرار إداري؛ يمكن فرض الإيداع، لكن لا يمكن فرض الاطمئنان إلى المصرف
هذه ليست أسئلة قانونية شكلية، بل جزءا من البيئة الاقتصادية نفسها؛ فالمستثمر يحتاج إلى معرفة القواعد قبل اتخاذ قراره، والتاجر يحتاج إلى توقّع قدرته على الوصول إلى أمواله، والأسرة تحتاج إلى يقين بشأن استخدام مدخراتها في الطوارئ. وكلما اتسعت مساحة السلطة التقديرية من دون معايير منشورة وآليات مراجعة واضحة، ارتفعت حالة عدم اليقين، حتى لو كان الهدف المعلن للقرار اقتصادياً مشروعاً بالكامل. وتزداد أهمية هذه الضمانات في بيئة مؤسسية توثّق فيها هيئات أممية ومنظمات حقوقية، منذ سنوات، غياب برلمان فاعل ووسائل إعلام مستقلة واستمرار مركزية القرار في السلطة التنفيذية.
الاقتصاد غير الرسمي.. عرض أم عرَض؟
من المفيد التمييز هنا بين سببين مختلفين للاحتفاظ بالنقد خارج المصارف الأول الرغبة في التهرب من النظام القانوني، والثاني محدودية الخدمات المصرفية نفسها. ففي كثير من الحالات، لم ينشأ الاعتماد على النقد في إريتريا نتيجة رغبة في المخالفة، بل لأن الاقتصاد الرسمي لم يقدم بدائل كافية، وكان التعامل معه أكثر كلفة أو تعقيداً. وهذا يجعل الاعتماد على النقد، بالنسبة لكثير من الأسر وأصحاب الأعمال، وسيلة تكيّف لا محاولة تهرّب.
والنتيجة العملية لهذا التمييز مهمة، فالحد من الاقتصاد غير الرسمي عبر القيود وحدها قد يفضي إلى نتيجة عكسية، ما لم يقترن بتحسين الخدمات المصرفية. فإذا أصبح التعامل المصرفي أكثر سهولة من النقد، سينتقل النشاط إليه بصورة طبيعية؛ أما إذا شعر المواطن أن أمواله أصبحت أقل قابلية للوصول بمجرد دخولها النظام الرسمي، فسيبحث عن وسائل بديلة لحفظ القيمة، بصرف النظر عن العقوبات القانونية المحتملة.
موارد واعدة في مواجهة قيود بنيوية
تأتي هذه الإجراءات في وقت يقف فيه الاقتصاد الإريتري أمام فرصة حقيقية، لكن أيضا أمام قيود بنيوية كبيرة. فقد أشار البنك الدولي إلى أن النمو الاقتصادي في 2025 استفاد من قوة النشاط التعديني، مع توقعات بأن تسهم الاستثمارات المرتبطة بمشروع كوليلي الساحلي للبوتاس، وتحديث محطات الكهرباء في دعم النمو، الذي يُتوقع أن يقارب 3.5٪، مقابل مخاطر تشمل تأخر المشاريع، وتقلب أسعار السلع العالمية والمخاطر الجيوسياسية والمناخية.
غير أن التعدين، مهما كانت أهميته كمصدر للإيرادات والعملة الأجنبية، يظل عرضة لتقلبات الأسواق العالمية، ولا يستطيع مشروع واحد بمفرده بناء اقتصاد متنوع. فالمطلوب على المدى الطويل هو تطوير قطاعات الزراعة والصيد والخدمات والنقل واللوجستيات والطاقة والتجارة، وربطها بنظام مالي قادر على تمويل النشاط الاقتصادي، لا الاكتفاء بمراقبته. وهنا يصبح الإصلاح المصرفي جزءاً لا يتجزأ من سؤال التنمية، لا مجرد إجراء تنظيمي منفصل عنه.
اقتصاد عند تقاطع أزمات الإقليم
لا يمكن فصل هذه المعادلة الداخلية عن جغرافيا سياسية شديدة التعقيد. فاضطرابات الملاحة في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة أعادت التأكيد على أهمية هذا الممر الحيوي للتجارة والطاقة العالميتين، ودفعت مفوضية الاتحاد الأفريقي إلى التحذير من أن اضطرابه ينعكس مباشرة على أسعار الوقود والقمح والأدوية في دول القرن الأفريقي التي تعتمد على الاستيراد، من جيبوتي إلى جنوب السودان.
أوضحت وزارة الخزانة الأميركية أن إعلان "حالة الطوارئ الوطنية" الذي كانت تُجدَّد العقوبات بموجبه سنويا قد انتهى مفعوله، وهو ما أؤدى عمليا إلى رفع العقوبات
لقد جعلت هذه التطورات موقع إرتريا أكثر أهمية اقتصادياً، فميناءا مصوع وعصب، متى توافرت لهما بيئة سياسية واقتصادية مناسبة، يمكن أن يصبحا جزءاً من شبكات التجارة الإقليمية، لا مجرد منشآت ذات قيمة استراتيجية معلنة. لكن تحويل الجغرافيا إلى قيمة اقتصادية فعلية يتطلب شروطاً تتجاوز الموانئ نفسها تشمل بنية تحتية، وطاقة، وطرق، وخدمات مالية وتأمينية، واستقرار قانوني، وقدرة على التعامل مع المستثمرين والأسواق الخارجية. فالموقع ميزة، لكنه لا يتحول إلى ثروة إلا حين تسنده مؤسسات فاعلة.
يضاف إلى ذلك أن أي حديث عن مستقبل الاقتصاد الإريتري لا يستقيم من دون استحضار إثيوبيا، الدولة الحبيسة ذات الاقتصاد الكبير والكثافة السكانية العالية، والتي تحتاج إلى منافذ بحرية مستقرة وفعالة. غير أن هذا الملف ليس اقتصادياً بحتاً؛ فالعلاقات الإريترية الإثيوبية تحمل إرثاً ثقيلاً من الحرب والتنافس الأمني، وتظل مسألة الوصول إلى البحر مرتبطة بالسيادة والتوازن الإقليمي لا بالتجارة وحدها. وإذا استطاعت دول المنطقة بناء ترتيبات مستقرة تضمن التجارة والوصول إلى الموانئ وفق اتفاقات واضحة، فقد يتحول الاقتصاد إلى جسر للتعاون؛ أما إذا ظلت الموانئ جزءاً من المنافسة الجيوسياسية، فستبقى قيمتها الاقتصادية رهينة التقلبات الأمنية والسياسية.
كما لا تنفصل إريتريا عن محيطها الغربي؛ فالحرب في السودان أعادت تشكيل التجارة وحركة السكان والطرق البرية في شرق السودان، وزادت من أهمية الموانئ والحدود والممرات التجارية في المنطقة. فاستقرار شرق السودان بات عاملاً اقتصادياً وأمنياً مباشراً بالنسبة لإريتريا، سواء من حيث حركة التجارة أو أمن الحدود أو تدفقات اللاجئين. وأي تحسن في التجارة بين السودان وإريتريا وإثيوبيا قد يفتح فرصاً جديدة للموانئ والطرق، بينما يوسّع استمرار الحروب والتوترات الاقتصادَ غير الرسمي ويرفع كلفة التجارة، ليصبح القرار النقدي الداخلي مرتبطاً بصورة غير مباشرة ببيئة إقليمية شديدة التقلب.
هذا إلى جانب أهمية التحويلات المالية من المجتمعات الإريترية في الخارج، التي تمثل، كما هو الحال في اقتصادات كثيرة بالقرن الأفريقي، مصدراً مهماً للعملة الأجنبية ودعماً لاستهلاك الأسر وتمويل التعليم والصحة والاستثمار الصغير. غير أن استقطاب هذه التدفقات نحو القنوات الرسمية بدلاً من المسارات غير الرسمية يحتاج بدوره إلى قنوات مالية موثوقة وشفافة وقابلة للتنبؤ، بما يجعل الرقابة المالية قادرة على التحول من عبء إلى فرصة، شرط أن تقترن بتطوير الخدمات المصرفية لا بمجرد تشديد القيود.
خطاب المصداقية الخارجية والممارسة الداخلية
يصعب، في أي سياق، فصل السياسات الاقتصادية تماماً عن طبيعة النظام السياسي الذي تُصاغ داخله. فكلما تركزت السلطة وضعفت آليات الرقابة المستقلة، اتسع هامش السلطة التنفيذية في اتخاذ قرارات تمس الحقوق الاقتصادية للأفراد دون نقاش عام حقيقي أو مراجعة قضائية فاعلة. هذا لا يعني أن كل تنظيم نقدي مؤامرة على الحريات؛ فتنظيم حركة النقد هدف مشروع تمارسه دول كثيرة لمكافحة غسل الأموال والتهرب الضريبي. لكن المعيار الفاصل بين التنظيم المشروع والرقابة التعسفية يكمن في وجود ضمانات مؤسسية وقضائية مستقلة تحمي الفرد من التعسف، وهي ضمانات لا تزال غائبة أو غير واضحة في الحالة الإرترية.
بدأ ميناء مصوع استعادة حضوره ضمن جداول الملاحة الدولية للحاويات، بعد إدراجه ضمن خمات أحد كبار مشغلي النقل البحري العالمي(CMA CGM) ...
تسعى أسمرا إلى ترسيخ موقعها كشريك إقليمي موثوق، كما يعكسه التقارب المتصاعد مع القاهرة حول ملفات التعدين والنقل والصناعات الدوائية والثروة السمكية، وتأكيد الجانبين أن حوكمة أمن البحر الأحمر شأن "أصيل وحصري" للدول المشاطئة. لكن هذا التموضع الإقليمي المتنامي يجعل الاستقرار الاقتصادي الداخلي، لا الأمني وحده، عاملاً يهم الشركاء الإقليميين والدوليين على حد سواء؛ فأي سياسة تُضعف الثقة الداخلية بالمؤسسات المالية أو تُنفّر المدخرات الخاصة قد تنعكس تلقائياً على جاذبية البلاد كوجهة للشراكات الاقتصادية، خصوصاً أن الاقتصاد الإريتري لا يزال يعتمد أساسا على الزراعة التي توفر سبل عيش نحو ثلاثة أرباع السكان، بينما يعيش قرابة نصفهم تحت خط الفقر.
بعبارة أخرى، تحاول إريتريا في آنٍ واحد ترسيخ صورتها كفاعل إقليمي موثوق واستقطاب الاستثمار الأجنبي، بينما تُبقي على سياسات داخلية قد تقوّض أحد أهم مقومات هذه الثقة وهي حرية المواطن في التصرف بما يملك. وهذا التناقض بين الخطاب الخارجي والممارسة الداخلية قد يكون أحد أكبر التحديات أمام تحويل الموقع الجغرافي المتميز إلى فرصة تنموية حقيقية ومستدامة.
نتائج القرار النقدي الجديد ستعتمد إلى حد كبير على طريقة تطبيقه، لا على نصه وحده، وتتوزع بين ثلاثة سيناريوهات محتملة:
أولا، نجاح مصرفي تدريجي: يتحقق إذا اقترنت القيود على النقد بتحسين الخدمات المصرفية، وتسهيل الإيداع والسحب، وتوضيح الاستثناءات، وتوفير آليات فعالة للاعتراض. عندها قد يؤدي القرار إلى زيادة استخدام المصارف وتقليص جزء من الاقتصاد غير الرسمي.
ثانيا، توسع القنوات غير الرسمية: يحدث إذا استمرت القيود من دون خدمات مصرفية مناسبة أو ضمانات كافية للوصول إلى الأموال، فيبحث الأفراد والشركات عن وسائل بديلة لحفظ القيمة، بعيداً عن الرقابة الرسمية.
ثالثا: إصلاح أوسع للنظام المالي: السيناريو الأكثر إيجابية على المدى الطويل، إذا أصبح القرار جزءاً من سياسة أشمل لتطوير القطاع المصرفي وتعزيز الشفافية وتمويل القطاع الخاص، وربط السياسة النقدية بالإنتاج والاستثمار والتجارة.
والفارق بين هذه المسارات لن تحدده قيمة السقف النقدي المحدد بالمرسوم وحدها، بل مدى قدرة الدولة الإريترية على بناء ثقة حقيقية في المؤسسات التي تطلب من مواطنيها إيداع أموالهم فيها.
الاختبار الحقيقي
السؤال الأهم في النهاية ليس كم من النقود يمكن للمواطن الاحتفاظ بها، بل ماذا تستطيع الدولة أن تفعله بالنظام النقدي بعد أن يضع المواطن أمواله في المصرف. فالسياسة النقدية لا تُقاس بنجاحها بمجرد تقليص النقد المتداول خارج القنوات الرسمية، بل بكونها جزءاً من منظومة اقتصادية أوسع تشمل الإنتاج والأسعار والاستثمار والائتمان والتجارة وسعر الصرف. فإذا ظلت المصارف مجرد مكان لحفظ الأموال دون أن تتحول إلى مؤسسات توفر الائتمان وتموّل المشاريع، فلن يكون توسّع الإيداعات كافياً لإحداث تحول اقتصادي حقيقي؛ أما إذا أصبحت المدخرات المصرفية مصدراً لتمويل الإنتاج، فقد تتحول السياسة النقدية من أداة ضبط إلى أداة تنمية فعلية.
في الاقتصاد، لا يمكن فرض الثقة بقرار إداري؛ يمكن فرض الإيداع، لكن لا يمكن فرض الاطمئنان إلى المصرف. ويمكن تحديد سقف لحيازة النقد، لكن لا يمكن تحديد سقف لحاجة المواطن إلى الشعور بأن أمواله ملكه وأن القانون يحميها. وهنا تلتقي المسألة الاقتصادية بالمسألة الحقوقية، فحماية الملكية لا تعني إعفاء الأموال من التنظيم، كما أن تنظيمها لا ينبغي أن يفتح باباً واسعاً لسلطة تقديرية غير خاضعة للمراجعة. وبين الطرفين توجد مساحة يمكن أن تلتقي فيها أهداف الدولة مع حقوق المواطن، قائمة على قانون واضح، واستثناءات محددة، وإجراءات شفافة، ورقابة مؤسسية، وآليات فعالة للطعن والانتصاف.
وفي منطقة تتقاطع فيها الحرب في السودان، والتنافس الإثيوبي- الإريتري، وأمن البحر الأحمر، وتحولات طرق التجارة العالمية، لم تعد السياسة النقدية الداخلية مسألة معزولة عن محيطها؛ فالقرار الذي يبدأ في خزائن المصارف يمكن أن يمتد أثره إلى سلوك المستهلك، واستثمار الشركات، وحركة التجارة، وعلاقة إريتريا بأسواق المنطقة والعالم. فموقعها الاستراتيجي على البحر الأحمر، وموانئها، ورفع العقوبات الأميركية عنها، تمنحها جميعا فرصة حقيقية للاندماج في سلاسل الإمداد الإقليمية، لا سيما في ظل اضطرابات الملاحة الراهنة.
لكن استمرار إدارة الهيكل المالي الداخلي بعقلية "الضبط الأمني" بدلا من "التحفيز الاقتصادي" قد يظل العائق الأكبر أمام تحويل هذه الميزة الجيوسياسية إلى نمو اقتصادي مستدام وشامل. فالاختبار الحقيقي لإريتريا ليس في عدد النقفات التي ستدخل المصارف، ولا في عودة الحاويات إلى مصوع، ولا حتى في رفع العقوبات الأميركية عنها؛ بل في قدرتها على الإجابة عن سؤال أعمق هو هل يمكن للنظام المالي الإريتري أن ينتقل من إدارة المال إلى بناء الثقة به؟
وسوم


Comments