top of page

إثيوبيا على صفيح ساخن

  • tvawna1
  • 52 minutes ago
  • 3 min read

10 أغسطس 2026 د. محمد حسين أبوالحسن دخلت إثيوبيا إحدى أكثر مراحل تاريخها الحديث خطورة وعدوانية، بعد شهر من فوزها بالانتخابات البرلمانية لجأت حكومة حزب الازدهار بقيادة رئيس الوزراء آبى أحمد إلى لغة البنادق، باتت القوة العسكرية خيارها المفضل فى إدارة الأزمات بالداخل والتوترات مع دول الجوار؛ ومع كل جبهة تُفتح تراق الدماء وتزهق الأرواح؛ ما يلقى ظلالا كثيفة على أمن القرن الإفريقى وحوض النيل.


الأسبوع الماضى، هاجم الجيش الفيدرالى الإثيوبى «جبهة تحرير تيجراى» بإقليم تيجراى شمالى البلاد، قرب الحدود مع السودان وإريتريا، أيضا اصطدم الجيش مع ميليشيا حركة «فانو» بإقليم أمهرا، وتوغلت قواته بأراضى الفشقة السودانية، كما يخوض حروب استنزاف متقطعة بأوروميا وأوجادين، إلخ، تنذر بحرب أهلية تمزق البلاد أشلاء.

لمدة عامين، خاض الجيش الإثيوبى حربا مع «جبهة تحرير تيجراى» أوقعت 600 ألف قتيل، وانتهت بتوقيع اتفاق بريتوريا للسلام عام 2022، اليوم تتجدد المعارك بين الطرفين على نحو خطير؛ اتهم دبرصيون قبرميكائيل رئيس حكومة إقليم تيجراى الحكومة الإثيوبية بأنها نسفت اتفاق بريتوريا، وأن شعب تيجراى يخوض «معركة وجود»، بعد أربع سنوات من ضبط النفس، وأضاف: «دعونا ندير شئوننا بأنفسنا، ولا تعيدونا إلى دائرة القهر والدمار»، وقد نجحت جبهة تيجراى فى إفشال الهجوم الإثيوبى، بعد معارك عنيفة، خاصة فى منطقة شيرينا الاستراتيجية التى تمثل مثلثا حدوديا حساسا للغاية، وتتحكم بالممرات الحيوية التى تربط ميكيلى عاصمة تيجراى بإريتريا (قرب منطقة بادمي)، والسودان (قرب نهر ستيت والفشقة). وبعد فشل الهجوم التزمت أديس أبابا الصمت، لكنها تواصل حشد القوات والأسلحة لتطويق «المثلث»، بدعم أطراف إقليمية، فى مقدمتها إسرائيل، تسربت أنباء عن جسر جوى ينقل الأسلحة، بين قاعدة نيفاتيم الجوية الإسرائيلية ومطار هرار ميدا الإثيوبى، بطائرات تابعة لشركة مسجلة فى ملاوى، لكن جبهة تيجراى ليست بالخصم السهل؛ وفى الحرب السابقة طوقت قوات تيجراى العاصمة أديس أبابا، وكادت تدحر آبى أحمد، لولا النجدة الإقليمية والدولية.

تمركز قوات آبى أحمد بهذا المثلث؛ ربما يكون تمهيدا لمهاجمة إريتريا والسودان، فى ضوء المزاعم الإثيوبية بوجود تحالف سرى يسمى «تسيمدو»، بين تيجراى وأسمرة والخرطوم لإضعاف النفوذ الإثيوبى.

فى السياق نفسه، تشعر إريتريا بأن دورها سيأتى بعد تيجراى، توالى إثيوبيا الهجمات قرب حدودها لتشتيت انتباه الجيش الإريتري؛ تمهيدا للهجوم على ميناء عصب الاستراتيجى على البحر الأحمر، يرجح الشكوك الإريترية إعلان الجنرال بلما مدارسا قائد القوات الجوية الإثيوبية أن جيش بلاده مقبل على مهام كبرى، وحديث الجنرال سامورا يونس رئيس الأركان الأسبق بأن مهمة الجيش الإثيوبى تتعدى استعادة ميناء عصب من يد أفورقى، إلى استعادة الشعب الإريترى حريته المفقودة، حسب وصفه. وتحذير الجنرال باتشا ديبيلى السفير الإثيوبى لدى كينيا، من أن اندلاع حرب بين إثيوبيا وإريتريا، سيحدث «تغييرا شاملا فى جغرافيا المنطقة، ولن تكون هناك حكومة إريترية، جميع الخيارات مفتوحة، وستكون حربا ليس لها حدود».

هذا يعنى أن حكومة آبى أحمد قررت مواجهة معارضى الداخل بالقوة المسلحة، فى تيجراى وأمهرة «حركة فانو» وأروميا وأوجادين، إلخ، وهى على وشك إشعال القرن الإفريقى بالصراعات؛ تشعر إريتريا والسودان والصومال وجيبوتى بالقلق، تُشكل التحركات الإثيوبية جزءا مفصليا من مشهد معقد؛ فالجيوبوليتيك لا يعرف الفراغ، ومساعيها للوصول إلى البحر الأحمر إحدى أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيدا بالقرن الإفريقي؛ تعيد رسم خريطة التحالفات والتوازنات الإقليمية فى الحوض الجنوبى لهذا الشريان المائى الحيوي؛ تضع أديس أبابا نصب عينيها السيناريو الروسى فى أوكرانيا، خاصة بالقرم؛ كمبرر للاستيلاء على أراضى وموانى جيرانها، يقوى عضدها المساعدة العسكرية الإسرائيلية، ومن دول أخرى.

ثمانى سنوات مضت، من حكم آبى أحمد، ولم تحصد إثيوبيا سوى الاحتراب بالداخل، واتساع رقعة الصراعات مع الخارج، دخل السلطة بشعارات السلام، لكنه ينهك شعبه وجيرانه بالأزمات والحروب، ما يحدث فى إثيوبيا ليس جولة من العنف المسلح، بل اختبار لجوهر «الدولة الإمبراطورية»، تقاس قدرة الدول بصناعة السلام لا بتوسيع ساحات القتال، وتوحيد شعوبها لا تعميق الانقسامات. وعندما تتحول الحرب إلى أداة لإدارة الدولة، تصبح كلفتها أكبر من أن تتحملها الأوطان، وتصير السلطة نفسها جزءا من الأزمة لا الحل، وما لم تُستبدل لغة السلاح بلغة السياسة، ومنطق القوة بمنطق التوافق؛ فإن دائرة الصراع مرشحة للاستمرار، وسيبقى المواطن الإثيوبى هو الخاسر الأكبر، وحينها، لن تقف شرارات الحريق عند حدود إثيوبيا، بل ستطال شظاياها شواطئ البحر الأحمر وضفاف النيل بأكملها. وربما لهذا السبب، لم يعد السؤال: من سينتصر إذا اندلعت المواجهات بين الجيش وبقية القوميات الإثيوبية، بل ماذا سيبقى من إثيوبيا بعدها كلما طال الصراع؛ فكيف تطالب بمنفذ إلى البحر، بينما تعجز عن تأمين الطرق بين مدنك، وكيف تلوّح بالقوة بوجه الجيران، وقوتك مستنزفة فى الداخل.

إن إثيوبيا مطالبة بإعادة بناء البيت من الداخل سلميا؛ أى دولة تعتمد الحسم العسكرى لفرض الهوية الوطنية تُعد وثيقة تفككها القادم، الدول لا تُبنى بالأحجار وحدها، بل بالخيال الجمعى الذى يربط التنوع العرقى بفكرتى «العقد الاجتماعى» و«الهيبة الاتحادية»؛ وعندما ينكسر هذا الخيال، تحلّ دراما الانهيار التاريخى، ولاشك فى أن اشتداد الصراعات الداخلية والتوترات الخارجية يطرح سيناريوهات مفزعة لمآلات المشهد الإثيوبى، أسوأها السقوط فى هاوية التفكك التدريجي!. المصدر>>>>>

Comments


bottom of page