• tvawna1

مشاركة_قراءة_حميمة

أغنونا_يغنيكم_الله_من_فضله بقلم الاستاذ / فتحي_عثمان 12/06/2022

تتكئ كل قراءة عند كل منا على تجارب ورغبات وخبرات نفسية تقف على منصة تطور ذواتنا في الزمن. للكلمات روحها وإيحاءها وسحرها، ولا يخلو زمان من قياسين يضعون المعايير لتكون القراءة كما ينبغي لها أن تكون كقراءة مفيدة وممتعة. من هذه المعايير التي صمدت أمام رياح الزمان في الفائدة والجمال والمتعة ما ذهب إليه الجاحظ في كلمات خالدة: "الكتاب هو الذي إذا نظرت إليه أطال امتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخم الفاظك وبحبح نفسك وعمر صدرك ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك"

صفة الكتابة في الشأن المجتمعي والشأن السياسي الشائك والمتشابك، لا نرجو أن تكون كما وصف الجاحظ؛ بل نتوسل فيها الإحسان: إحسان الفكرة اللامعة، والعاطفة الصادقة واللغة السامية حتى نرقى فيما نقرأ فكرا وشعورا وبيانا، بهذا كله يبلغ الإحسان تمامه والعطاء ذراه، ونحن نمد في الحاف يد السائلين.


اما أن يكون المنطق دائريا يدور في فراغ: يبدأ من حيث ينتهي؛ وينتهي من حيث يبدأ، دون طائل أو جدوى، أو أن تكون العاطفة متربصة في رداء من سوء النية والكراهة، أو أن يكون البيان متقاصرا لا ساند له إلا ما يتم تناوله عسفا من أقرب استمداد ونقطة زاد، هنا نفتقر جميعا إلى الإحسان كتابا وقراء، وتتحول ساحتنا إلى دائرة لا يرى سوى غبارها ولا يسمع سوى ضجيجها.


خطرت ببالي هذه الخواطر وأنا أقرا جدلا مستطير الشرر في كتاب المؤرخ سير كرستوفر بيلي حول تاريخ العالم منذ القرن السادس العشر حتى الحرب العالمية الأولى. يطرح بيلي والذي توفي في عام 2015 فروضا قوية ومثيرة للجدل ويقدم دفاعه عنها في كتاب تزيد صفحاته عن خمسمائة صفحة من القطع الكبير. ويفترض في دراسته التاريخية للحداثة بأن تاريخ العالم هو تاريخ "واحد" رغم تباين أحداثه في شتى قارات العالم، ويبدو كمن يسير في حقل الغام وهو يبرر لأطروحاته التي تركز على فرضية أن العالم أصبح "متشاكلا" أي يشبه بعضه بعضا في الشكل والاتساق وذلك عبر دراسة التشابه العالمي في الزي والسلوك ويقدم مجالات التشابه العالمية منذ القرن السادس عشر في الزي والطعام وحفظ الوقت والرياضة وقضاء الفراغ واللغة والأسماء؛ وهو يعي إذ يقدم طرحه أن هناك طرحا مناقضا وعنيدا يقوم على هدم "المركزية الأوروبية" التي فرضت كل ما هو أوروبي على الهامش، وذلك عبر دارسة ما بعد الحداثية للتاريخ وتاريخ ما بعد الاستعمار. وهنا تتبدى مرونة فكرته وذكاء طرحه إذ ينأى في مهارة عن الصدام بالقول إن هذين الحقلين يؤكدان على أهمية من يكتب التاريخ ومن أي زاوية يكتب، وهذه، حسب قوله تزيد بقوة من رف كتب التاريخ وتغنيه كذلك.

وحتى لا يتصور بأن هذا الطابع الواحد او "المتشاكل" للعالم هو أوروبي فإنه يفترض أن هناك تطورات تاريخية سارت بشكل متواز دون المرور بأي مؤثرات أوروبية. وحسب الفرضية الأساسية في الكتاب فإن العالم عدل سلوكه لخلق أكبر قدر من التشابه. وأشار إلى لبس الطربوش لدى المستنيرين من النخبة في جزر الملايو والجزائر ومصر. حتى أن مسار لبس "البرقع" لدى المرأة المسلمة سار بتواز مع التطور المديني. فهذا الزي، والذي ينظر إليه الغرب، كما يقول بيلي، بأنه من مخلفات القرون الوسطى هو الذي أتاح للمرأة المسلمة قدر كبير من الحرية للخروج من البيت إلى السوق لقضاء حاجاتها والتواصل مع الباعة دون قيود.


يظل هذا الكتاب من الكتب التي لا يمكن أن تقرأ بدون انتباه حارق للأعصاب لأن فكرة الاختلاف والتي هي نقيض ما يطرحه من تشاكل واتساق لا تني تطل برأسها من بين السطور هذا، طبعا، غير القدر من الكبير من الاستفزاز للافتراضات والمسلمات المحمولة عند القارئ.


وبالعودة إلى صدر الكلام نؤكد أن الاختلاف هو الطبيعي وأن التآلف هو "الخارج أو الشاذ" عملا بقاعدة "لكل قاعدة شاذ أو خارج"؛ لأن التآلف يحتاج إلى مجهود ومعمار مقصود، فهو في الأخير مجهود بشري واع وهادف، ولكن الاختلاف هو ما نحن عليه في حالة الطبيعة من اختلاف اللسان والرؤى، والشكل، والتفكير، والمزاج. وحسب الاختلاف فإن افتراض آن الآخرين على خطأ ليس خطأ في ذاته ما دام الافتراض لا يعيب ولا يشين ولا ينتقص ويثرى ويغني: ومن هنا تجئ الدعوة لمن يخالفونا الرأي والحجة بأن يبدعوا أفكارا سديدة، ومشاعرا نبيلة ولغة جميلة، فنكون بذلك أول المستفيدين ومن يتابعون ويقرأون يتعلمون.

توسلا لا أمرا: أغنونا يغنيكم الله من فضله؛ وهلموا لنترك "ألف زهرة تتفتح وألف مدرسة تتبارى"

101 views0 comments