• tvawna1

لماذا تقف الدول الأفريقية على الحياد في حرب أوكرانيا

البراغماتية تجنب أفريقيا دفع كلفة باهظة من الأزمة.

السبت 2022/04/16

تتبنى الدول الأفريقيية موقفا براغماتيا محايدا من الحرب الروسية - الأوكرانية، وهي بذلك تحاول النأي بنفسها عن تداعيات الأزمة التي قد تطال اقتصاداتها ومن الممكن أن تنقلب ضدها في حال انحازت إلى طرف على حساب آخر، فبعض تلك الدول تشكو من أوضاع داخلية سيئة من السهل توظيفها لغزوها بحجة الديمقراطية وحقوق الإنسان. واشنطن - يعمل النظام العالمي متعدد الأقطاب بشكل متزايد على تمكين بعض الدول الأفريقية من الحفاظ على موقف محايد بشأن الحرب في أوكرانيا، رغم ضغوط الولايات المتحدة وحلفائها لإدانة روسيا. ومن المرجح أن تكون هذه الدول حرّة في مواصلة إعطاء الأولوية للبراغماتية على التحالفات الأيديولوجية في استجابتها للصراع المستمر، مع تداعيات محدودة من الغرب. حيث أيدت 28 دولة أفريقية قرار الأمم المتحدة الذي يدين الغزو الروسي لأوكرانيا. ومع ذلك، امتنعت 17 دولة عن التصويت، بينما تغيبت 8 دول أخرى عنه.

وقالت السفيرة الأميركية لدى الاتحاد الأفريقي جيسيكا لابين خلال مؤتمر صحافي في الحادي والثلاثين مارس إن الولايات المتحدة تبحث عن ردود أفريقية قوية على العدوان الروسي، ورحّبت بفرصة العمل مع السنغال التي صوّتت لصالح قرار الأمم المتحدة. وتتماشى تصريحات لابين مع موقف الولايات المتحدة وأوروبا الغربية بأن على الدول الأفريقية إدانة الغزو الروسي، وأن الحياد أو الامتناع عن التصويت يعني التواطؤ مع تصرفات موسكو في أوكرانيا.

كلارا براكبيل: البراغماتية شعار قادة أفريقيا في مواجهة التهديدات

وكانت إريتريا هي الدولة الأفريقية الوحيدة التي صوتت ضد قرار الأمم المتحدة، ويرجع ذلك على الأرجح إلى علاقة الرئيس الإريتري أسياس أفورقي الوثيقة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين وعدائه للغرب مع العقوبات الأميركية الجديدة التي فُرضت على بلاده في نوفمبر بسبب دورها في الحرب في إثيوبيا المجاورة.

وانتقد بعض القادة الأفارقة إصرار الولايات المتحدة على أن تدين أفريقيا الغزو الروسي لأوكرانيا، قائلين إن ذلك يشير إلى أن بلدانهم بحاجة إلى توجيه غربي لسياستها الخارجية وإلى أنها ليست حرة في اختيار طريقها الدبلوماسي.

وتقول كلارا براكبيل محللة شؤون أفريقيا جنوب الصحراء في مركز ستراتفور للدراسات والأبحاث الجيوسياسية، إن الحياد بالنسبة إلى العديد من البلدان الأفريقية كان في حد ذاته موقفا من الحرب، وهو متأثر بنظام عالمي متعدد الأقطاب. حيث حفزت الإمبريالية المعادية للغرب المقاومة في أفريقيا جنوب الصحراء ضد الهيمنة الأميركية والأوروبية على العالم لعقود.

ومع ذلك، فإن التحول المتزايد من عالم أحادي القطب تقوده الولايات المتحدة إلى عالم متعدد الأقطاب (مع تشكيل الصين وروسيا والهند بعض هذه الأقطاب) يحفز بعض القادة الأفارقة على رفض الفكرة التي تقول إنه يجب عليهم الاختيار بين الشرق والغرب.

فمع تزايد تعدد الأقطاب، تتوفر المزيد من الخيارات من منظور العالم النامي، مما يؤدي إلى شراكات أكثر مرونة وحتى تقلبا. ويظهر هذا الاتجاه في شراكات أفريقيا السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية والأيديولوجية المتنوعة مع نظرائها في الولايات المتحدة وأوروبا والصين وروسيا.


وتسعى أكبر الاقتصادات في أفريقيا، بما في ذلك نيجيريا وكينيا وجنوب أفريقيا، للحصول على قروض وإبرام صفقات أسلحة وتأسيس مشاريع بنية تحتية مع شركاء مختلفين. وتضع أحيانا القوى العالمية ضد بعضها البعض للاستفادة من الصفقة الأكثر فائدة. ويتعارض الضغط الغربي لإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا مع حقيقة أن هيمنة الولايات المتحدة وحلفائها على النظام العالمي تضعف، مما يقلل من حوافز الدول الأفريقية لتطوير تحالفات سياسية أو اقتصادية حصرية مع الحكومات الغربية. ولذلك، تركز الدول الأفريقية المحايدة (التي خاض العديد منها حروبه الخاصة في الماضي القريب) على بقائها ونموها واستقلالها في عالم يتزايد فيه عدم اليقين.

وأشارت الدول الأفريقية التي صوتت لصالح قرار الأمم المتحدة بإدانة الغزو الروسي إلى حد كبير إلى ما عبّر عنه سفير كينيا لدى الأمم المتحدة بأنه واجب حماية وحدة أراضي أوكرانيا. لكن أولئك الذين امتنعوا عن التصويت ذكروا أسبابا مبدئية مماثلة لقرارهم. حيث ألمح الرئيس الأوغندي يويري موسيفيني على سبيل المثال إلى “المعايير المزدوجة” الغربية في تبرير موقف بلاده المحايد من الصراع، وقال إنه يفضل الحفاظ على العلاقات الدبلوماسية مع الصين على الولايات المتحدة لأن بكين لا تدعو إلى التدخل في شؤون الدول الأخرى الداخلية. وانتقدت الولايات المتحدة مرارا وتكرارا جنوب أفريقيا على وجه الخصوص بسبب بقائها على الحياد بشأن الحرب في أوكرانيا، وهو ما رد عليه الرئيس سيريل رامافوزا بانتقاد ما يسميه زحف الناتو في أوكرانيا. وأشارت سفيرة جنوب أفريقيا ماثو جوييني خلال مناقشة في الجمعية العامة للأمم المتحدة في الثاني من مارس إلى أن الدول الغربية ارتكبت انتهاكاتها الخاصة لميثاق الأمم المتحدة عبر التاريخ وأنها تستغل القرار الذي يدين تصرفات روسيا لزيادة تفوقها الجيوسياسي عليها.

وترجح براكبيل أن يواصل القادة في القارة إعطاء الأولوية للبراغماتية مع احتدام الحرب بينما ينظر الغرب إلى الدعم الأفريقي على أنه حاسم للرد الأيديولوجي العالمي على العدوان الروسي.

ويبرز تعدد الأقطاب في شراكات بلدان أفريقيا جنوب الصحراء العالمية المتنوعة والمتضاربة في بعض الأحيان بشأن قضايا مثل التنمية الاقتصادية والسيادة الإقليمية والاستقرار السياسي. ويدرس القادة في جميع أنحاء أفريقيا كيف ستؤثر نتائج الحرب العديدة المحتملة على شراكاتهم الدولية وقدرتهم على الحفاظ على الحكم. حيث تبقى صفقات الأسلحة والقروض واتفاقيات البنية التحتية والمساعدات الخارجية والاتفاقيات التجارية والمعاهدات والتعريفات مع شركاء مختلفين (بعضهم على طرفي نقيض من الصراع الأوكراني) عوامل في المعادلة.

العقوبات الغربية ضد روسيا تؤدي إلى أزمات الغذاء وارتفاع الأسعار في جميع أنحاء أفريقيا، مما يجعل القادة أكثر عرضة للتهديدات الداخلية مع مواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار السياسي

وترى الباحثة براكبيل أن إدانة روسيا بالنسبة إلى بعض الدول الأفريقية التي امتنعت عن التصويت أو التي تغيّبت عنه (مثل إثيوبيا وأوغندا ومالي والسودان وجمهورية الكونغو الديمقراطية)، قد تشكل سابقة للتدخل الدولي وقد تمهّد الطريق لاحقا لتحقيق قوى أجنبية في القضايا الأمنية والسياسية والإنسانية داخل حدودها.

ومن ناحية أخرى، تؤدي العقوبات الغربية ضد روسيا إلى أزمات الغذاء وارتفاع الأسعار في جميع أنحاء أفريقيا، مما يجعل القادة أكثر عرضة للتهديدات الداخلية مع مواجهة سيناريوهات عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي. ولا يخفف الحفاظ على موقف دبلوماسي محايد من الحرب في أوكرانيا من هذه التحديات لكنه يمنح القادة الأفارقة المرونة أثناء محاولتهم الاستفادة من الوضع لدعم المفاوضات مع الولايات المتحدة والصين وشركاء دوليين آخرين.

وبلغ حجم التجارة الثنائية بين روسيا وأفريقيا جنوب الصحراء حوالي 7 مليارات دولار في 2021، بينما بلغ إجمالي التجارة المشتركة بين الولايات المتحدة وأوروبا حوالي 44 مليار دولار. وتعتبر روسيا أكبر مصدر للأسلحة إلى أفريقيا، وكثيرا ما تعبر صفقاتها الحدود السياسية. وتُستخدم الأسلحة الروسية في النزاعات الجارية في بوركينا فاسو والكاميرون وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد والكونغو وإثيوبيا ومالي وموزمبيق والنيجر ونيجيريا والسودان وجنوب السودان والصومال، من بين دول أخرى.

وتتمتع الصين بعلاقات مالية قوية مع العديد من الدول الأفريقية، كما بدأت في توسيع دورها في الحفاظ على السلام والأمن في القارة. وأعلنت بكين عن عدة مبادرات دبلوماسية تركز على تعزيز الاستقرار في إثيوبيا والصومال، وكلاهما يشهدان حروبا أهلية مستمرة داخل حدودهما.


صمت أفريقي مريب من الغزو الروسي لأوكرانيا


وأدى تزايد انعدام الأمن الغذائي الناجم جزئيا عن ارتفاع الأسعار الناتج عن العقوبات الغربية ضد روسيا في منطقة ابتليت بالصراع والانقلابات العسكرية إلى جعل البلدان الأفريقية أكثر عرضة لحركات التمرد وعدم الاستقرار السياسي والاضطرابات العامة. ويواجه غرب أفريقيا حاليا أسوأ أزمة غذائية على الإطلاق، مع زيادة الجوع بنسبة 40 في المئة اعتبارا من 2021.

وعلى الرغم من إدانته الخطابية، فمن غير المرجح، وفق براكبيل، أن يعاقب الغرب الدول الأفريقية بسبب احتفاظها بموقف محايد بشأن النزاع الروسي - الأوكراني، مما يقلل من مخاطر العواقب الاقتصادية المباشرة على الدول التي اختارت القيام بذلك.

وفي حين أن دولا مثل جنوب أفريقيا وأوغندا قد لا تتغاضى حاليا عن الولايات المتحدة، فمن غير المرجّح أن تعاقب واشنطن الحياد الأفريقي نظرا لانشغالها بالحرب والقضايا الملحة الأخرى.

وبهذا تسعى الدول الأفريقية المحايدة لما تعتبره على الأرجح طريقة منخفضة التكلفة للحفاظ على شراكات متميزة من خلال إنهاء الحرب الأوكرانية. ومن مصلحة معظم الدول الأفريقية إن لم يكن كلها الحفاظ على العلاقات السياسية والاقتصادية والأمنية مع مجموعة متنوعة من الشركاء العالميين، لاسيما إذا كانت تكلفة القيام بذلك ضئيلة أو معدومة. وعلى الرغم من أن الغرب يبدو أنه ينظر إلى الدعم الأفريقي على أنه حاسم للرد العالمي على العدوان الروسي، فمن المرجح أن يواصل القادة الأفارقة اتباع البراغماتية مع احتدام الحرب. المصدر >>>>

79 views0 comments