• tvawna1

اتفاق السلام الإثيوبي: خطوةٌ أولى على طريق طويل

  • تقرير

  • محمد عبد الكريم أحمد

  • الثلاثاء 15 تشرين الثاني 2022 بتوقيع «الإعلان المشترك»، السبت الماضي، بين السلطات الإثيوبية ومتمرّدي تيغراي في

دمّرت الحرب نحو 90% من قدرات «تحرير تيغراي» العسكرية (أ ف ب) العاصمة الكينية نيروبي، حول تنفيذ اتّفاق وقْف الأعمال العدائية وإيصال المساعدات، المبرَم في الثاني من تشرين الثاني الحالي في بريتوريا الجنوب الأفريقية، ظهرت كينيا، كما كان مُتوقَّعاً تماماً، في صورة الوسيط المثالي الوحيد في هذه الأزمة. ويعود ذلك إلى اعتبارات عديدة، أبرزها تَفهّم نيروبي الكامل لوضع إثيوبيا كدولة جوار وشريك محتمَل في مشروع التكامل السياسي والاقتصادي في إقليم القرن الأفريقي الكبير، وحضورها اللافت بصفتها مشاركاً ومراقباً في عملية السلام إلى جانب الأمم المتحدة، التي لم تتوانَ عن الإشادة بجهود الرئيس الكيني الجديد، وليام روتو، في دفْع المحادثات المبدئية في تشرين الأول الفائت، ثمّ استضافة الرئيس الكيني السابق، أوهورو كينياتا، جولة محادثات متقدّمة، تَوقّع كينياتا في ختامها عقْد جولة أخرى في مقلي عاصمة إقليم تيغراي، قبل إجراء المحادثات الختامية في أديس أبابا بحلول نهاية العام الجاري. من بريتوريا إلى نيروبي

استبق رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، الإعلان عن اتفاق السلام (عشيّة ذكرى اكتمال عامَين على اندلاع الحرب في 3 تشرين الثاني 2020) بالحديث عن تحقيقه انتصاراً على «جبهة تحرير تيغراي»، التي أقرّ قادتها بتقديم تنازلات في سبيل «تحقيق السلام». واتّفق الجانبان على إسكات البنادق على نحو دائم، وعلى برنامج تفصيلي لنزع السلاح وتفكيك الهيكل العسكري للجبهة «أخْذاً في الاعتبار الوضع الأمني على الأرض»، والالتزام بتأمين سيادة إثيوبيا وسلامة أراضيها وإقامة دستورها الذي يتضمّن وجود قوّة دفاع وطنية واحدة ووحيدة. كما شمل الاتفاق تحسين الحكومة الإثيوبية تعاونها مع هيئات الإغاثة الإنسانية لمواصلة تقديم المعونات لجميع مَن يحتاجونه إليها، وتطبيق «إجراءات انتقالية» تشمل استعادة النظام الدستوري في إقليم تيغراي، ووضْع إطار لتسوية الخلافات السياسية والتأسيس لعدالة انتقالية تكفل المحاسبية والحقيقة والمصالحة، ووقْف جميع أشكال الصراع والدعاية العدائية، ومتابعة جهود استعادة الخدمات العامة وإعادة بناء البنية الأساسية. ولعلّ الملاحظة الأولى على اتّفاق السلام أنه جاء شاملاً بالمعنى الحقيقي؛ إذ قبِلت «تحرير تيغراي» بعودة النظام الدستوري الفيدرالي السابق، وإقامة إدارة انتقالية جديدة تَحكم الإقليم حتى عقْد الانتخابات (التي لم يُحدَّد بعد موعدها)، وأن تتمّ عملية نزع سلاح الجبهة بالكامل خلال 30 يوماً فقط من إطلاق العملية، وهو ما دفَع بعض الجماعات إلى وصْف تنازلاتها بـ«الاستسلام». ومن جانبها، وافقت الحكومة الفيدرالية على تحسين تمثيل الإقليم في المؤسّسات الفيدرالية بما في ذلك البرلمان (الذي يهيمن عليه بشكل مطلَق حزب الازدهار، ما يعني أن هذا التنازل قد يكون شكلياً)، وتيسير الإغاثة الإنسانية لأكثر من 13 مليون متضرّر، وعودة المشرَّدين داخلياً إلى مساكنهم. بداية استقرار

في 7 تشرين الثاني الجاري، مضى الاتفاق خطوة إلى الأمام، بانعقاد لقاء فنّي بين قادة من الجيش الإثيوبي، وآخرين من «تحرير تيغراي»، في نيروبي، «للعمل على نماذج مفصَّلة لنزع سلاح مُقاتلي الجبهة»، وفق جدول سريع للغاية، بات يثير مخاوف إزاء القدرة على تطبيقه بسلاسة، ولا سيما في ظلّ غياب أيّ إشارة إلى إريتريا ودورها العسكري في الأزمة والعواقب غير المباشرة للاتفاق على اتفاق السلام الإثيوبي - الإريتري الذي يتضمّن إعادة أراضٍ من إقليم تيغراي إلى إريتريا. ومن هنا، فإن الجهات المعنيّة، بما فيها الأمم المتحدة، حرصت على وصْف ما جرى التوصّل إليه بأنه «نقطة بداية»، داعيةً إلى استكمال المفاوضات التي لم تتطرّق من قريب أو من بعيد إلى مشكلة إقليم أوروميا، أكبر أقاليم إثيوبيا مساحة وسكّاناً. كذلك، بدا لافتاً أن وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، رحّب بحذر واضح بما وصفه «توقيع (اتفاق) وقف العداءات»، من دون أن يُتبعه بوصف «الدائم» الوارد في العنوان الرسمي للصفقة، فيما تحدّث محلّلون إثيوبيون عن استمرار تدريب واشنطن لآلاف العناصر من إقليم تيغراي في شرقي السودان، حيث يتواجدون هناك بصفة لاجئين إثيوبيين، ويرجَّح أن يمثّلوا ورقة ضغط مستقبلية على نظام آبي أحمد. أمّا على الصعيد العملياتي، فيرى مراقبون أن الاتفاق ربّما يكون تحصيلَ حاصل؛ إذ إن الحرب دمّرت بالفعل نحو 90% من قدرات «تحرير تيغراي» العسكرية، لتُجبَر الأخيرة على قبول نزع سلاحها. وعلى أيّ حال، فإن الاتفاق، الذي عدّه أغلب المسؤولين الدوليين «خطوة أولى هامّة» يجب أن تليها خطوات أخرى، يؤشّر إلى استقرار نسبي إثيوبي، وإنْ ترَك الباب مفتوحاً أمام تاويلات بخصوص استمرار وجود القوات الإريترية في الإقليم من عدمه، ووضَع علامات استفهام كبيرة حول موقف أسمرة واستجابتها المستقبلية. عادة تأهيل نظام آبي أحمد

على خطّ مُوازٍ لمحادثات السلام الإثيوبية، تَوجّه آبي أحمد إلى مدينة شرم الشيخ المصرية لحضور أعمال «كوب 27»، حيث التقى الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، في اجتماع هو الأوّل من نوعه منذ قمّة سوشي الروسية منذ أكثر من ثلاثة أعوام. وسارعت وسائل إعلام مصرية إلى اعتبار اللقاء دلالة على انفراجة حقيقية في ملفّ أزمة سدّ النهضة، فيما يشير سلوك السلطات الإثيوبية إلى ضرورة خفْض سقف التوقّعات في هذا المسار، على الأقلّ على المدى القريب، وإنْ مثّلت الزيارة بذاتها «نقطة بداية جديدة» لعملية تفاوضية معقّدة، ربّما تكون أكثر وضوحاً من سابقاتها، وفي سياق معادلات إقليمية - دولية أكثر اتّساعاً في حوض النيل وحوض البحر الأحمر. ويندرج ذلك في إطار نشاط ديلوماسي مكثَّف، يُتوقَّع أن يقدِم عليه رئيس الوزراء الإثيوبي، سعياً لإعادة ضبْط سياساته تحت السقف الأميركي دائماً، فيما سيكون من شأن انتهاء فصْل أزمة تيغراي، تعزيز قدرته على فرْض شروط تسوية أزمات أخرى، ولا سيما في إقليم أوروميا المصدر >>>>>>


38 views0 comments